Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:27-28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿الجَلالِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ مِن بابِ النَّفْيِ، كَقَوْلِنا: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ، ولِهَذا يُقالُ: جَلَّ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا، وجَلَّ أنْ يَكُونَ عاجِزًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجَلالَ هو بِمَعْنى العَظَمَةِ غَيْرَ أنَّ العَظَمَةَ أصْلُها في القُوَّةِ، والجَلالُ في الفِعْلِ، فَهو عَظِيمٌ لا يَسَعُهُ عَقْلٌ ضَعِيفٌ، فَجَلَّ أنْ يَسَعَهُ كُلُّ فَرْضٍ مَعْقُولٍ: (﴿والإكْرامِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ هي مِن بابِ الإثْباتِ، كَقَوْلِنا: حَيٌّ قادِرٌ عالِمٌ، وأمّا السَّمِيعُ والبَصِيرُ فَإنَّهُما مِن بابِ الإثْباتِ كَذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مِن بابِ النَّفْيِ، وصِفاتُ بابِ النَّفْيِ قَبْلَ صِفاتِ بابِ الإثْباتِ عِنْدَنا، لِأنّا أوَّلًا نَجِدُ الدَّلِيلَ وهو العالَمُ فَنَقُولُ: العالَمُ مُحْتاجٌ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ الشَّيْءُ لَيْسَ مِثْلَ العالَمِ فَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ ولا مُحْتاجٍ، ولا مُمْكِنٍ، ثُمَّ نُثْبِتُ لَهُ القُدْرَةَ والعِلْمَ وغَيْرَهُما، ومِن هُنا قالَ تَعالى لِعِبادِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] وقالَ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» ونَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، نَفْيُ صِفاتِ غَيْرِ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: الجِسْمُ لَيْسَ بِإلَهٍ لَزِمَ مِنهُ قَوْلُكَ: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ و﴿الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وصْفانِ مُرَتَّبانِ عَلى أمْرَيْنِ سابِقَيْنِ، فالجَلالُ مُرَتَّبٌ عَلى فَناءِ الغَيْرِ والإكْرامُ عَلى بَقائِهِ تَعالى، فَيَبْقى الفَرْدُ وقَدْ عَزَّ أنْ يُحَدَّ أمْرُهُ بِفَناءِ مَن عَداهُ وما عَداهُ، ويَبْقى وهو مُكْرِمٌ قادِرٌ عالِمٌ فَيُوجِدُ بَعْدَ فَنائِهِمْ مَن يُرِيدُ. وقُرِئَ: ”ذُو الجَلالِ“، و”ذِي الجَلالِ“ . وسَنَذْكُرُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ في تَفْسِيرِ آخِرِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.