Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأرْضِ، وهي مَعْلُومَةٌ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ [فاطر: ٤٥] الآيَةَ وعَلى هَذا فَلَهُ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْرِفُ ويَجْزِمُ بِأنَّهُ إذا كانَ في البَحْرِ فَرُوحُهُ وجِسْمُهُ ومالُهُ في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا خَرَجَ إلى البَرِّ ونَظَرَ إلى الثَّباتِ الَّذِي لِلْأرْضِ والتَّمَكُّنِ الَّذِي لَهُ فِيها يَنْسى أمْرَهُ فَذَكَّرَهُ وقالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكُلُّ مَن عَلى وجْهِ الأرْضِ فَإنَّهُ كَمَن عَلى وجْهِ الماءِ، ولَوْ أمْعَنَ العاقِلُ النَّظَرَ لَكانَ رُسُوبُ الأرْضِ الثَّقِيلَةِ في الماءِ الَّذِي هي عَلَيْهِ أقْرَبَ إلى العَقْلِ مِن رُسُوبِ الفُلْكِ الخَفِيفَةِ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الجارِيَةِ إلّا أنَّهُ بِضَرُورَةِ ما قَبْلَها كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الجَوارِي ولا شَكَّ في أنَّ كُلَّ مَن فِيها إلى الفَناءِ أقْرَبُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ إنْكارُ كَوْنِهِ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ في تِلْكَ الحالَةِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ الأوَّلُ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩٣