Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتَ فَلَوْ ذَكَرَ النِّعَمَ الأُوَلَ بِالواوِ، ثُمَّ عِنْدَ تَطْوِيلِ الكَلامِ في الآخِرِ سَرَدَها سَرْدًا، هَلْ كانَ أقْرَبَ إلى البَلاغَةِ ؟ ووُرُودُ كَلامِهِ تَعالى عَلَيْهِ كَفاهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أبْلَغُ، ولَهُ دَلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ ظاهِرٌ يُبَيَّنُ بِبَحْثٍ وهو أنَّ الكَلامَ قَدْ يَشْرَعُ فِيهِ المُتَكَلِّمُ أوَّلًا عَلى قَصْدِ الِاخْتِصارِ، فَيَقْتَضِي الحالُ التَّطْوِيلَ، إمّا لِسائِلٍ يُكْثِرُ السُّؤالَ، وإمّا لِطالِبٍ يَطْلُبُ الزِّيادَةَ لِلُطْفِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ، وإمّا لِغَيْرِهِما مِنَ الأسْبابِ. وقَدْ يَشْرَعُ عَلى قَصْدِ الإطْنابِ والتَّفْصِيلِ، فَيَعْرِضُ ما يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلى المَقْصُودِ مِن شُغْلِ السّامِعِ أوِ المُتَكَلِّمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جاءَ في كَلامِ الآدَمِيِّينَ، نَقُولُ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى فَوائِدُهُ لِعِبادِهِ لا لَهُ فَفي هَذِهِ السُّورَةِ ابْتَدَأ الأمْرَ بِالإشارَةِ إلى بَيانِ أتَمِّ النِّعَمِ إذْ هو المَقْصُودُ، فَأتى بِما يَخْتَصُّ بِالكَثْرَةِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ بِكامِلِ العِلْمِ يَعْلَمُ مُرادَ المُتَكَلِّمِ إذا كانَ الكَلامُ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ، فَكَيْفَ إذا كانَ الكَلامُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَبَدَأ اللَّهُ بِهِ عَلى الفائِدَةِ الأُخْرى وإذْهابُ تَوَهُّمِ البَدَلِ والتَّفْسِيرِ والنَّعْيِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نِعْمَةٌ كامِلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَما الحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ العَطْفِ بِهَذا الكَلامِ والِابْتِداءِ بِهِ لا بِما قَبْلَهُ ولا بِما بَعْدَهُ ؟ قُلْنا: لِيَكُونَ النَّوْعانِ عَلى السَّواءِ فَذَكَرَ الثَّمانِيَةَ مِنَ النِّعَمِ كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ وخَلْقِ الإنْسانِ وغَيْرِ ذَلِكَ أرْبَعًا مِنها بِغَيْرِ واوٍ وأرْبَعًا بِواوٍ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ﴾ [الرحمن: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] فَلِبَيانِ نِعْمَةِ الأرْضِ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ في اخْتِيارِ الثَّمانِيَةِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ كامِلٌ والثَّمانِيَةَ هي السَّبْعَةُ مَعَ الزِّيادَةِ فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ خارِجَةٌ عَنْ حَدِّ التَّعْدِيدِ لِما أنَّ الزّائِدَ عَلى الكَمالِ لا يَكُونُ مُعَيَّنًا مُبَيَّنًا، فَذَكَرَ الثَّمانِيَةَ مِنها إشارَةً إلى بَيانِ الزِّيادَةِ عَلى حَدِّ العَدَدِ لا لِبَيانِ الِانْحِصارِ فِيهِ.