Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الجُمَلِ السّابِقَةِ مِن غَيْرِ واوٍ عاطِفَةٍ، ومِن هُنا ذَكَرَها بِالواوِ العاطِفَةِ ؟ نَقُولُ لِيَتَنَوَّعَ الكَلامُ نَوْعَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَعُدُّ النِّعَمَ عَلى غَيْرِهِ تارَةً يَذْكُرُ نَسَقًا مِن غَيْرِ حَرْفٍ، فَيَقُولُ: فُلانٌ أنْعَمَ عَلَيْكَ كَثِيرًا، أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، قَوّاكَ بَعْدَ ضَعْفٍ، وأُخْرى يَذْكُرُها بِحَرْفٍ عاطِفٍ وذَلِكَ العاطِفُ قَدْ يَكُونُ واوًا وقَدْ يَكُونُ فاءً وقَدْ يَكُونُ ثُمَّ، فَيَقُولُ: فُلانٌ أكْرَمَكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ وأحْسَنَ إلَيْكَ، ويَقُولُ: رَبّاكَ فَعَلَّمَكَ فَأغْناكَ، ويَقُولُ: أعْطاكَ ثُمَّ أغْناكَ ثُمَّ أحْوَجَ النّاسَ إلَيْكَ، فَكَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ التَّعْدِيدَ بِالنَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، فَإنْ قِيلَ: زِدْهُ بَيانًا وبَيِّنِ الفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ في المَعْنى، قُلْنا: الَّذِي يَقُولُ بِغَيْرِ حَرْفٍ كَأنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ بَيانَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ فَيَتْرُكُ الحَرْفَ لِيَسْتَوْعِبَ الكُلَّ مِن غَيْرِ تَطْوِيلِ كَلامٍ، ولِهَذا يَكُونُ ذَلِكَ النَّوْعُ في أغْلَبِ الأمْرِ عِنْدَ مُجاوَزَةِ النِّعَمِ ثَلاثًا، أوْ عِنْدَما تَكُونُ أكْثَرَ مِن نِعْمَتَيْنِ فَإنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ نِعْمَتَيْنِ فَيَقُولُ: فُلانٌ أعْطاكَ المالَ وزَوَّجَكَ البِنْتَ، فَيَكُونُ في كَلامِهِ إشارَةٌ إلى نِعَمٍ كَثِيرَةٍ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى النِّعْمَتَيْنِ لِلْأُنْمُوذَجِ، والَّذِي يَقُولُ بِحَرْفٍ فَكَأنَّهُ يُرِيدُ التَّنْبِيهَ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ نِعْمَةٍ بِنَفْسِها، وإذْهابِ تَوَهُّمِ البَدَلِ والتَّفْسِيرِ، فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ: أنْعَمَ عَلَيْكَ أعْطاكَ المالَ هو تَفْسِيرٌ لِلْأوَّلِ، فَلَيْسَ في كَلامِهِ ذِكْرُ نِعْمَتَيْنِ مَعًا بِخِلافِ ما إذا ذُكِرَ بِحَرْفٍ، فَإنْ قِيلَ: إنْ