Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَعْرِيفِهِ عَمّا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالَ هُما: ﴿بِحُسْبانٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: حَرَّكَهُما اللَّهُ، بِحُسْبانٍ أوْ سَخَّرَهُما أوْ أجْراهُما كَما قالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ وقالَ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ؟ نَقُولُ: فِيهِ حِكَمٌ مِنها أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ وتَعْلِيمَهُ البَيانَ أتَمُّ وأعْظَمُ مِن خَلْقِ المَنافِعِ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ، حَيْثُ صَرَّحَ هُناكَ بِأنَّهُ فاعِلُهُ وصانِعُهُ ولَمْ يُصَرِّحْ هُنا، ومِنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ هَهُنا بِمِثْلِ هَذا في العِظَمِ يَقُولُ القائِلُ: إنِّي أعْطَيْتُكَ الأُلُوفَ والمِئاتِ مِرارًا، وحَصَلَ لَكَ الآحادُ والعَشَراتُ كَثِيرًا وما شَكَرْتَ، ويَكُونُ مَعْناهُ حَصَلَ لَكَ مِنِّي ومِن عَطائِي لَكِنَّهُ يُخَصِّصُ التَّصْرِيحَ بِالعَطاءِ عِنْدَ الكَثِيرِ، ومِنها أنَّهُ لَمّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ مُؤَكِّدٍ السَّمْعِيَّ ولَمْ يَقُلْ: فَعَلْتُ صَرِيحًا إشارَةً إلى أنَّهُ مَعْقُولٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ عَرَفْتَ أنَّهُ مِنِّي واعْتَرَفْتَ بِهِ، وأمّا السَّمْعِيُّ فَصَرَّحَ بِما يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنَ الفِعْلِ. الثّانِي: عَلى أيِّ وجْهٍ تَعَلُّقُ الباءِ مِن ﴿بِحُسْبانٍ﴾، نَقُولُ: هو بَيِّنٌ مِن تَفْسِيرِهِ والتَّفْسِيرُ أيْضًا مَرَّ بَيانُهُ وخَرَجَ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: في الحُسْبانِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ الحِسابُ، يُقالُ: حَسِبَ حِسابًا وحُسْبانًا، وعَلى هَذا فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، تَقُولُ: قَدِمْتَ بِخَيْرٍ أيْ مَعَ خَيْرٍ ومَقْرُونًا بِخَيْرٍ فَكَذَلِكَ الشَّمْسُ والقَمَرُ يَجْرِيانِ ومَعَهُما حِسابُهُما، ومِثْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعانَةِ كَما في قَوْلِكَ: بِعَوْنِ اللَّهِ غَلَبْتُ، وبِتَوْفِيقِ اللَّهِ حَجَجْتُ، فَكَذَلِكَ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ مِنَ اللَّهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الحُسْبانَ هو الفَلَكُ تَشْبِيهًا لَهُ بِحُسْبانِ الرَّحا وهو ما يَدُورُ فَيُدِيرُ الحَجَرَ، وعَلى هَذا فَهو لِلِاسْتِعانَةِ كَما يُقالُ في الآلاتِ كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، فَهُما يَدُورانِ بِالفَلَكِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، الثّالِثُ: عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ، هَلْ كُلُّ واحِدٍ يَجْرِي بِحُسْبانٍ أوْ كِلاهُما بِحُسْبانٍ واحِدٍ ما المُرادُ ؟ نَقُولُ: كِلاهُما مُحْتَمَلٌ، فَإنْ نَظَرْنا إلَيْهِما فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما حِسابٌ عَلى حِدَةٍ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ لا بِمَعْنى أنَّ الكُلَّ مَجْمُوعٌ في فَلَكٍ واحِدٍ وكَقَوْلِهِ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] وإنْ نَظَرْنا إلى اللَّهِ تَعالى فَلِلْكُلِّ حِسابٌ واحِدٌ قَدْرَ الكُلِّ بِتَقْدِيرِ حُسْبانِهِما بِحِسابٍ، مِثالُهُ مَن يُقَسِّمُ مِيراثَ نَفْسِهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَرَثَةِ نَصِيبًا مَعْلُومًا بِحِسابٍ واحِدٍ، ثُمَّ يَخْتَلِفُ الأمْرُ عِنْدَهم فَيَأْخُذُ البَعْضُ السُّدُسَ والبَعْضُ كَذا والبَعْضُ كَذا، فَكَذَلِكَ الحِسابُ الواحِدُ. وأمّا