Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَحْمَنًا وأشارَ إلى ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ وهو القُرْآنُ ذَكَرَ نِعَمَهُ وبَدَأ بِخَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّهُ نِعْمَةٌ جَمِيعُ النِّعَمِ بِهِ تَتِمُّ، ولَوْلا وُجُودُهُ لَما انْتُفِعَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ الإدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وهو كالوُجُودِ إذْ لَوْلاهُ لَما حَصَلَ النَّفْعُ والِانْتِفاعُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ المَعْلُوماتِ نِعْمَتَيْنِ ظاهِرَتَيْنِ هُما أظْهَرُ أنْواعِ النِّعَمِ السَّماوِيَّةِ وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ ولَوْلا الشَّمْسُ لَما زالَتِ الظُّلْمَةُ، ولَوْلا القَمَرُ لَفاتَ كَثِيرٌ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، بِخِلافِ غَيْرِهِما مِنَ الكَواكِبِ، فَإنَّ نِعَمَها لا تَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِثْلَ ما تَظْهَرُ نِعْمَتُهُما، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ نَفْعِهِما في حَرَكَتِهِما بِحِسابٍ لا يَتَغَيَّرُ، ولَوْ كانَتِ الشَّمْسُ ثابِتَةً في مَوْضِعٍ لَما انْتَفَعَ بِها أحَدٌ، ولَوْ كانَ سَيْرُها غَيْرَ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ لَما انْتَفَعُوا بِالزِّراعاتِ في أوْقاتِها، وبِناءُ الأمْرِ عَلى الفُصُولِ، ثُمَّ بَيَّنَ في مُقابِلَتِهِما نِعْمَتَيْنِ ظاهِرَتَيْنِ مِنَ الأرْضِ وهُما النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، والَّذِي لَهُ ساقٌ، فَإنَّ الرِّزْقَ أصْلُهُ مِنهُ، ولَوْلا النَّباتُ لَما كانَ لِلْآدَمِيِّ رِزْقٌ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، وأصْلُ النِّعَمِ عَلى الرِّزْقِ الدّارِّ، وإنَّما قُلْنا: النَّباتُ هو أصْلُ الرِّزْقِ لِأنَّ الرِّزْقَ إمّا نَباتِيٌّ وإمّا حَيَوانِيٌّ كاللَّحْمِ واللَّبَنِ وغَيْرِهِما مِن أجْزاءِ الحَيَوانِ، ولَوْلا النَّباتُ لَما عاشَ الحَيَوانُ والنَّباتُ وهو الأصْلُ، وهو قِسْمانِ: قائِمٌ عَلى ساقٍ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والأشْجارِ الكِبارِ وأُصُولِ الثِّمارِ، وغَيْرُ قائِمٍ كالبُقُولِ المُنْبَسِطَةِ عَلى الأرْضِ والحَشِيشِ والعُشْبِ الَّذِي هو غَذاءُ الحَيَوانِ.