Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:1-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مَفْعُولٍ ثانٍ فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قِيلَ: عَلَّمَ بِمَعْنى جَعَلَهُ عَلامَةً أيْ هو عَلامَةُ النُّبُوَّةِ ومُعْجِزَةٌ، وهَذا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ ذَكَرَ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ مُعْجِزَةً مِن بابِ الهَيْئَةِ وهو أنَّهُ شَقَّ ما لا يَشُقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً مِن بابِ الرَّحْمَةِ، وهو أنَّهُ نَشَرَ مِنَ العُلُومِ ما لا يَنْشُرُهُ غَيْرُهُ، وهو ما في القُرْآنِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الجَوابِ فَفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يُعَلَّمُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٤٠] والتَّعْلِيمُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ. يُقالُ: إنْ أُنْفِقَ عَلى مُتَعَلِّمٍ وأُعْطِيَ أُجْرَةً عَلى تَعْلِيمِهِ عَلِمَهُ. وثانِيهِما: أنَّ المَفْعُولَ الثّانِي لا بُدَّ مِنهُ وهو جِبْرِيلُ وغَيْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَّمَهُمُ القُرْآنَ، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المَفْعُولُ الثّانِي هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى لا كَلامَ مُحَمَّدٍ. وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّهُ تَعالى عَلَّمَ القُرْآنَ الإنْسانَ، وهَذا أقْرَبُ لِيَكُونَ الإنْعامُ أتَمَّ، والسُّورَةُ مُفْتَتَحَةٌ لِبَيانِ الأعَمِّ مِنَ النِّعَمِ الشّامِلَةِ.