Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 54:55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٧٢
لِلْمُفَسِّرِينَ الظّاهِرِينَ فَما الفائِدَةُ في اخْتِيارِ لَفْظِ القَعِيدِ بَدَلَ لَفْظِ الجَلِيسِ مَعَ أنَّ الجَلِيسَ أشْهَرُ ؟ يَكُونُ جَوابُهم أنَّ آخِرَ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] و﴿لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] يُناسِبُ القَعِيدَ لا الجَلِيسَ، وإعْجازُ القُرْآنِ لَيْسَ في السَّجْعِ، وإذا نَظَرْتَ إلى ما ذُكِرَ تَبَيَّنَ لَكَ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ حِكْمِيَّةٌ في وضْعِ اللَّفْظِ المُناسِبِ؛ لِأنَّ القَعِيدَ دَلَّ عَلى أنَّهُما لا يُفارِقانِهِ ويُداوِمانِ الجُلُوسَ مَعَهُ، وهَذا هو المُعْجِزُ وذَلِكَ لِأنَّ الشّاعِرَ يَخْتارُ اللَّفْظَ الفاسِدَ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ والسَّجْعِ، ويَجْعَلُ المَعْنى تَبَعًا لِلَّفْظِ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ الحِكْمَةَ عَلى ما يَنْبَغِي، وجاءَ بِاللَّفْظِ عَلى أحْسَنِ ما يَنْبَغِي، وفائِدَةٌ أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١] إشارَةٌ إلى الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] إشارَةٌ إلى تَرْكِ الجُلُوسِ، فَذَكَرَ المَجْلِسَ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ جُلُوسٍ، فَلا يَجِبُ مُلازَمَتُهُ ولَيْسَ بِمَقْعَدٍ حَتّى لا يُفارِقُونَهُ.