Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 54:50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وبَعْضُ النّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
أيْ يُقَدِّرُ ولا يَقْطَعُ ولا يَفْصِلُ، كالخَيّاطِ الَّذِي يُقَدِّرُ أوَّلًا، ويَقْطَعُ ثانِيًا، وهو قَرِيبٌ إلى اللُّغَةِ، لَكِنَّهُ بَعِيدُ
صفحة ٦٨
الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الخَلْقَ أرادَ الإيجادَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ﴾ [لقمان: ٢٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] ولَيْسَ المُرادُ أنّا قَدَّرْنا أنَّهُ سَيُوجَدُ مِنها إلى غَيْرِ ذَلِكَ. سابِعُها: الخَلْقُ هو الإيجادُ ابْتِداءً، والأمْرُ هو ما بِهِ الإعادَةُ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ أوَّلًا بِمُهْلَةٍ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْعَثُهم في أسْرَعِ مِن لَحْظَةٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] و﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] إشارَةٌ إلى الوَحْدانِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ إلى الحَشْرِ فَكَأنَّهُ بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ والأصْلَ الآخِرَ بِالآياتِ. ثامِنُها: الإيجادُ خَلْقٌ والإعْدامُ أمْرٌ، يَعْنِي يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ أهْلِكُوا وافْعَلُوا فَلا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ولا يُوقِفُونَ الِامْتِثالَ عَلى إعادَةِ الأمْرِ مَرَّةً أُخْرى فَأمْرُهُ مَرَّةً واحِدَةً يَعْقُبُهُ العَدَمُ والهَلاكُ.