Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 54:44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى وإنْ كانَ جَمِيعَ النّاسِ لا خارِجَ عَنْهم إلّا مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ، لَكِنْ لَمّا قُطِعَ ونُوِّنَ صارَ كالمُنْكَرِ في الأصْلِ فَجازَ وصْفُهُ بِالمُنْكَرِ؛ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ فَعادَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُ الخَبَرَيْنِ مَعْرِفَةً والآخَرُ نَكِرَةً، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أفْرَدَهُ لِمُجاوَرَتِهِ ”جَمِيعٌ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ مَعْنى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أنْ جَمِيعًا بِمَعْنى كُلِّ واحِدٍ كَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا مُنْتَصِرٌ، كَما تَقُولُ: هم جَمِيعُهم أقْوِياءُ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَوِيٌّ، وهم كُلُّهم عُلَماءُ أيْ كُلُّ واحِدٍ عالِمٌ، فَتَرَكَ الجَمْعَ واخْتارَ الإفْرادَ لِعَوْدِ الخَبَرِ إلى كُلِّ واحِدٍ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَغْلِبُ مُحَمَّدًا ﷺ كَما قالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، وهَذا فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ كُلَّ واحِدٍ غالِبٌ، واللَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأجْمَعِهِمْ بِقَوْلِهِ: