Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 54:28-29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أيْ: مَقْسُومٌ، وصْفٌ بِالمَصْدَرِ مُرادٌ بِهِ المُشْتَقُّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ”ماءٌ مِلْحٌ“، و”قَوْلٌ زُورٌ“ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المُبالَغَةِ، يُقالُ لِلْكَرِيمِ: كَرَمٌ كَأنَّهُ هو عَيْنُ الكَرَمِ، ويُقالُ: فُلانٌ لُطْفٌ مَحْضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِسْمَةُ وقَعَتْ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ النّاقَةَ كانَتْ عَظِيمَةً وكانَتْ حَيَواناتُ القَوْمِ تَنْفِرُ مِنها ولا تَرِدُ الماءَ وهي عَلى الماءِ، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الماءُ بَيْنَهُما؛ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لِلْقَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِقِلَّةِ الماءِ، فَشِرْبُهُ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لِلْحَيَواناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماءُ كانَ بَيْنَهم قِسْمَةً يَوْمًا لِقَوْمٍ ويَوْمًا لِقَوْمٍ، ولَمّا خَلَقَ اللَّهُ النّاقَةَ كانَتْ تَرِدُ الماءَ يَوْمًا يَوْمًا، فَكانَ الَّذِينَ لَهُمُ الماءُ في غَيْرِ يَوْمِ وُرُودِها يَقُولُونَ: الماءُ كُلُّهُ لَنا في هَذا اليَوْمِ ويَوْمُكم كانَ أمْسِ، والنّاقَةُ ما أخَّرَتْ شَيْئًا فَلا نُمَكِّنُكم مِنَ الوُرُودِ أيْضًا في هَذا اليَوْمِ، فَيَكُونُ النُّقْصانُ وارِدًا عَلى الكُلِّ، وكانَتِ النّاقَةُ تَشْرَبُ الماءَ بِأسْرِهِ وهَذا أيْضًا ظاهِرٌ ومَنقُولٌ، والمَشْهُورُ هُنا الوَجْهُ الأوْسَطُ، ونَقُولُ: إنَّ قَوْمًا كانُوا يَكْتَفُونَ بِلَبَنِها يَوْمَ وُرُودِها الماءَ، والكُلُّ مُمْكِنٌ ولَمْ يَرِدْ في شَيْءٍ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ.