Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 54:14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثَةُ: ذَكَرَ عِنْدَ الغَضَبِ سَبَبَ الإهْلاكِ وهو فَتْحُ أبْوابِ السَّماءِ وفَجَّرَ الأرْضَ بِالعُيُونِ، وأشارَ إلى الإهْلاكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيْ: أمْرِ الإهْلاكِ ولَمْ يُصَرِّحْ، وعِنْدَ الرَّحْمَةِ ذَكَرَ الإيحاءَ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمَلْناهُ﴾ وأشارَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتِ ألْواحٍ﴾ وكَذَلِكَ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَأُهْلِكُوا، وقالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ فَصَرَّحَ بِالإنْجاءِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالإهْلاكِ إشارَةً إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وغايَةِ الكَرَمِ، أيْ: خَلَقْنا سَبَبَ الهَلاكِ ولَوْ رَجَعُوا لَما ضَرَّهم ذَلِكَ السَّبَبُ كَما قالَ ﷺ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هود: ٤٢] وعِنْدَ الإنْجاءِ أنْجاهُ وجَعَلَ لِلنَّجاةِ طَرِيقًا وهو اتِّخاذُ السَّفِينَةِ ولَوِ انْكَسَرَتْ لَما ضَرَّهُ بَلْ كانَ يُنْجِيهِ، فالمَقْصُودُ عِنْدَ الإنْجاءِ هو النَّجاةُ، فَذَكَرَ المَحَلَّ، والمَقْصُودُ عِنْدَ الإهْلاكِ إظْهارُ البَأْسِ فَذَكَرَ السَّبَبَ صَرِيحًا.
الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أبْلَغُ مِن حِفْظِنا، يَقُولُ القائِلُ: اجْعَلْ هَذا نُصْبَ عَيْنِكَ ولا يَقُولُ: احْفَظْهُ طَلَبًا لِلْمُبالَغَةِ.
الخامِسَةُ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِحِفْظِنا، ولِهَذا يُقالُ: الرُّؤْيَةُ لِسانُ العَيْنِ.