Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 54:1-2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٨
وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: ”«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» “ فَمَعْناهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي فَإنَّ زَمانِي يَمْتَدُّ إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَزَمانِي والسّاعَةُ مُتَلاصِقانِ كَهاتَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ زَمانُ النَّبِيِّ ﷺ، وما دامَتْ أوامِرُهُ نافِذَةً فالزَّمانُ زَمانُهُ وإنْ كانَ لَيْسَ هو فِيهِ، كَما أنَّ المَكانَ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ أوامِرُ المَلِكِ مَكانُ المَلِكِ يُقالُ لَهُ بِلادُ فُلانٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى القُرْبِ بِالمَعْقُولِ مَعَ أنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ؟ قُلْتُ: كَما صَحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] فَإنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي والأمْرُ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وفائِدَتُهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ مُمْكِنٌ لا إمْكانًا بَعِيدًا عَنِ العاداتِ كَحَمْلِ الآدَمِيِّ في زَمانِنا حِمْلًا في غايَةِ الثِّقَلِ، أوْ قَطْعِهِ مَسافَةً بَعِيدَةً في زَمانٍ يَسِيرٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ إمْكانًا بَعِيدًا، وأمّا تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ فَمُمْكِنٌ إمْكانًا في غايَةِ القُرْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَمْعُ الَّذِينَ تَكُونُ الواوُ ضَمِيرَهم في قَوْلِهِ: ﴿يَرَوْا﴾ و﴿يُعْرِضُوا﴾ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَمَن هم ؟ نَقُولُ: هم مَعْلُومُونَ وهُمُ الكُفّارُ، تَقْدِيرُهُ: وهَؤُلاءِ الكُفّارُ إنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: التَّنْكِيرُ في الآيَةِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ: إنْ يَرَوْا آيَةً قَوِيَّةً أوْ عَظِيمَةً يُعْرِضُوا.