Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:36-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيهِما: أنَّهُ مِنَ التَّوْفِيَةِ الَّتِي مِنَ الوَفاءِ وهو التَّمامُ والتَّوْفِيَةُ والإتْمامُ، يُقالُ: وفّاهُ أيْ أعْطاهُ تامًّا، وعَلى هَذا فَهو مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقِيلَ: ”وفّى“ أيْ أعْطى حُقُوقَ اللَّهِ في بَدَنِهِ، وعَلى هَذا فَهو عَلى ضِدِّ مَن قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ مَدَحَ إبْراهِيمَ ولَمْ يَصِفْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، نَقُولُ: أمّا بَيانُ تَوْفِيَتِهِ فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ عَهْدًا إلّا وفّى بِهِ، وقالَ لِأبِيهِ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فاسْتَغْفَرَ ووَفّى بِالعَهْدِ ولَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ، فَعَلِمَ ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ وأنَّ وِزْرَهُ لا تَزِرُهُ نَفْسٌ أُخْرى، وأمّا مَدْحُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِأنَّهُ كانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ ولَمْ يُنْكِرْ أحَدٌ كَوْنَهُ وفِيًّا، ومُوفِيًا، ورُبَّما كانَ المُشْرِكُونَ يَتَوَقَّفُونَ في وصْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المَلائِكَةِ، والَّذِي يَحْسُنُ بِهَذا المَوْضِعِ مَسائِلُ:
الأُولى: أنّا بَيَّنّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ هو ما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألّا تَزِرُ﴾ فَيَكُونُ هَذا بَدَلًا عَنْ ”ما“ وتَقْدِيرُهُ: أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِألّا تَزِرُ، وذَكَرْنا هُناكَ وجْهَيْنِ.