Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:36-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثالِثُها: أُصُولُ الدِّينِ كُلُّها مَذْكُورَةٌ في الكُتُبِ بِأسْرِها، ولَمْ يُخْلِ اللَّهُ كِتابًا عَنْها، ولِهَذا قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ولَيْسَ المُرادُ في الفُرُوعِ؛ لِأنَّ فُرُوعَ دِينِهِ مُغايِرَةٌ لِفُرُوعِ دِينِهِمْ مِن غَيْرِ شَكٍّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ مُوسى هاهُنا ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] فَهَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: مِثْلُ هَذا في كَلامِ الفُصَحاءِ لا يُطْلَبُ لَهُ فائِدَةٌ، بَلِ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ سَواءٌ في كَلامِهِمْ، فَيَصِحُّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى هَذا الجَوابِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّ الذِّكْرَ هُناكَ لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ والإنْذارِ، وهاهُنا المَقْصُودُ بَيانُ انْتِفاءِ الأعْذارِ، فَذَكَرَ هُناكَ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ صُحُفَ إبْراهِيمَ قَبْلَ صُحُفِ مُوسى في الإنْزالِ، وأمّا هاهُنا فَقَدْ قُلْنا: إنَّ الكَلامَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ فَقَدَّمَ كِتابَهم، وإنْ قُلْنا: الخِطابُ عامٌّ فَصُحُفُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ كَثِيرَةَ الوُجُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: انْظُرُوا فِيها تَعْلَمُوا أنَّ الرِّسالَةَ حَقٌّ، وأُرْسِلَ مِن قَبْلِ مُوسى رُسُلٌ، والتَّوْحِيدُ صِدْقٌ والحَشْرُ واقِعٌ، فَلَمّا كانَتْ صُحُفُ مُوسى عِنْدَ اليَهُودِ كَثِيرَةَ الوُجُودِ قَدَّمَها، وأمّا صُحُفُ إبْراهِيمَ فَكانَتْ بَعِيدَةً وكانَتِ المَواعِظُ الَّتِي فِيها غَيْرَ مَشْهُورَةٍ فِيما بَيْنَهم كَصُحُفِ مُوسى فَأخَّرَ ذِكْرَها.