Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: هو تَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ كَأنَّ العامِلَ مِنَ الكُفّارِ يَقُولُ: نَحْنُ نَعْمَلُ أُمُورًا في جَوْفِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، وفي البَيْتِ الخالِي، فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى ؟ فَقالَ: لَيْسَ عَمَلُكم أخْفى مِن أحْوالِكم وأنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم، واللَّهُ عالِمٌ بِتِلْكَ الأحْوالِ.
ثانِيها: هو إشارَةٌ إلى الضّالِّ والمُهْتَدِي حَصَلا عَلى ما هُما عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، فَإنَّ الحَقَّ عَلِمَ أحْوالَهم وهم في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، فَكَتَبَ عَلى البَعْضِ أنَّهُ ضالٌّ، والبَعْضِ أنَّهُ مُهْتَدٍ.
ثالِثُها: تَأْكِيدٌ وبَيانٌ لِلْجَزاءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ قالَ الكافِرُونَ: هَذا الجَزاءُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالحَشْرِ، وجَمْعُ الأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها وإعادَةُ ما كانَ لِزَيْدٍ مِنَ الأجْزاءِ في بَدَنِهِ مِن غَيْرِ اخْتِلاطٍ غَيْرِ مُمْكِنٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكُمْ﴾ فَيَجْمَعُها بِقُدْرَتِهِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ كَما أنْشَأكم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في: ”إذْ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ”أعْلَمُ“ أيْ عَلِمَكم وقْتَ الإنْشاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اذْكُرُوا فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن عِلْمِهِ بِكم فاذْكُرُوا حالَ إنْشائِكم مِنَ التُّرابِ.