Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ وذَلِكَ عَلى قَوْلِنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ ابْتِداءُ الكَلامِ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ المُحْسِنَ مُجْزى وذَنْبُهُ مَغْفُورٌ، ومُجْتَنِبَ الكَبائِرِ كَذَلِكَ ذَنَبُهُ الصَّغِيرُ مَغْفُورٌ، والمُقْدِمُ عَلى الكَبائِرِ إذا تابَ مَغْفُورُ الذَّنْبِ، فَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ لَمْ تَصِلُ إلَيْهِمْ مَغْفِرَةٌ إلّا الَّذِينَ أساءُوا وأصَرُّوا عَلَيْها، فالمَغْفِرَةُ واسِعَةٌ وفِيهِ مَعْنًى آخَرُ لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْرَجَ المُسِيءَ عَنِ المَغْفِرَةِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِضِيقٍ فِيها، بَلْ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ أرادَ اللَّهُ مَغْفِرَةَ كُلِّ مَن أحْسَنَ وأساءَ لَفَعَلَ، وما كانَ يَضِيقُ عَنْهم مَغْفِرَتُهُ، والمَغْفِرَةُ مِنَ السَّتْرِ، وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى قَبِيحٍ، وكُلُّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ إذا نَظَرْتَ في فِعْلِهِ ونِسْبَتِهِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَجِدُهُ مُقَصِّرًا مُسِيئًا، فَإنَّ مَن جازى المُنْعِمَ بِنِعَمٍ لا تُحْصى مَعَ اسْتِغْنائِهِ الظّاهِرِ وعَظَمَتِهِ الواضِحَةِ بِدِرْهَمٍ أوْ أقَلَّ مِنهُ يَحْتاجُ إلى سَتْرِ ما فَعَلَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ وفي المُناسَبَةِ وُجُوهٌ: