Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعَلى هَذا فَنَقُولُ عَلى ما قُلْنا: إنَّ الأصْلَ في كُلِّ مَعْصِيَةٍ أنْ تَكُونَ كَبِيرَةً؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ ومُخالَفَةَ المُنْعِمِ سَيِّئَةٌ عَظِيمَةٌ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَطَّ عَنْ عِبادِهِ الخَطَأ والنِّسْيانَ؛ لِأنَّهُما لا يَدُلّانِ عَلى تَرْكِ التَّعْظِيمِ، إمّا لِعُمُومِهِ في العِبادِ أوْ لِكَثْرَةِ وجُودِهِ مِنهم كالكَذِبَةِ والغِيبَةِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ والنَّظْرَةِ والقَبائِحِ الَّتِي فِيها شُبْهَةٌ، فَإنَّ المُجْتَنِبَ عَنْها قَلِيلٌ في جَمِيعِ الأعْصارِ؛ ولِهَذا قالَ أصْحابُنا: إنَّ اسْتِماعَ الغِناءِ الَّذِي مَعَ الأوْتارِ يُفَسَّقُ بِهِ، وإنِ اسْتَمَعَهُ مِن أهْلِ بَلْدَةٍ لا يَعْتَقِدُونَ أمْرَ ذَلِكَ لا يُفَسَّقُ فَعادَتِ الصَّغِيرَةُ إلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ العُقَلاءَ إنْ لَمْ يُعِدُّوهُ تارِكًا لِلتَّعْظِيمِ لا يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ، وعَلى هَذا تَخْتَلِفُ الأُمُورُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، فالعالِمُ المُتَّقِي إذا كانَ يَتْبَعُ النِّساءَ أوْ يُكْثِرُ مِنَ اللَّعِبِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ، والدَّلّالُ والباعَةُ والمُتَفَرِّغُ الَّذِي لا شُغْلَ لَهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ اللَّعِبُ وقْتَ الصَّلاةِ، واللَّعِبُ في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وعَلى هَذا كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ إلّا ما عَلِمَ المُكَلَّفُ أوْ ظَنَّ خُرُوجَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وعَفْوِهِ عَنِ الكَبائِرِ.