cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:28-30

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

وضْعٌ، وقَدْ يَكُونُ اسْتِعْمالًا مَعْنَوِيًّا، ويَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الكَذِبُ والصِّدْقُ والعِلْمُ، مِثالُ الأوَّلِ: مَن وضَعَ أوَّلًا اسْمَ السَّماءِ لِمَوْضُوعِها وقالَ هَذِه سَماءٌ، مِثالُ الثّانِي: إذا قُلْنا بَعْدَ ذَلِكَ لِلْماءِ والحَجَرِ هَذا سَماءٌ، فَإنَّهُ كَذِبٌ، ومَن يَعْتَقِدُهُ فَهو جاهِلٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في المَلائِكَةِ إنَّها بَناتُ اللَّهِ، لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةً وضْعِيَّةً، وإنَّما أرادُوا بِهِ أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِأمْرٍ يَجِبُ اسْتِعْمالُ لَفْظِ البَناتِ فِيهِمْ، وذَلِكَ كَذِبٌ ومُعْتَقِدُهُ جاهِلٌ، فَهَذا هو المُرادُ بِما ذَكَرْنا أنَّ الظَّنَّ يُتَّبَعُ في الأُمُورِ المَصْلَحِيَّةِ، والأفْعالِ العُرْفِيَّةِ أوِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الوُصُولِ إلى اليَقِينِ، وأمّا في الِاعْتِقاداتِ فَلا يُغْنِي الظَّنُّ شَيْئًا مِنَ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ الظَّنُّ قَدْ يُصِيبُ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُغْنِي أصْلًا ؟ نَقُولُ المُكَلَّفُ يَحْتاجُ إلى يَقِينٍ يُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، لِيَعْتَقِدَ الحَقَّ ويُمَيِّزَ الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ لِيَفْعَلَ الخَيْرَ، لَكِنَّ في الحَقِّ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جازِمًا لِاعْتِقادِ مُطابِقِهِ، والظّانُّ لا يَكُونُ جازِمًا، وفي الخَيْرِ رُبَّما يُعْتَبَرُ الظَّنُّ في مَواضِعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى، ومَعْناهُ أنَّ الظَّنَّ لا يُفِيدُ شَيْئًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ الأوْصافُ الإلَهِيَّةُ لا تُسْتَخْرَجُ بِالظُّنُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [ الحَجِّ: ٦] وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مَنَعَ مِنَ الظَّنِّ، وفي جَمِيعِ تِلْكَ المَواضِعِ كانَ المَنعُ عَقِيبَ التَّسْمِيَةِ، والدُّعاءُ بِاسْمٍ مَوْضِعانِ مِنها في هَذِهِ السُّورَةِ، أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ . والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾، والثّالِثُ: في الحُجُراتِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [ الحُجُراتِ: ١١ ١٢] عَقِيبَ الدُّعاءِ بِالقَلْبِ، وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حِفْظَ اللِّسانِ أوْلى مِن حِفْظِ غَيْرِهِ مِنَ الأرْكانِ، وأنَّ الكَذِبَ أقْبَحُ مِنَ السَّيِّئاتِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، وهَذِهِ المَواضِعُ الثَّلاثَةُ أحَدُها: مَدْحُ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ كاللّاتِ والعُزّى مِنَ العِزِّ. وثانِيها: ذَمُّ مَن لا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ يُسَمُّونَهم تَسْمِيَةَ الأُنْثى. وثالِثُها: ذَمُّ مَن لَمْ يُعْلَمْ حالُهُ، وأمّا مَدْحُ مَن حالُهُ لا يُعْلَمُ، فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ، بَلِ الظَّنُّ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، والأخْذُ بِظاهِرِ حالِ العاقِلِ

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.