Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:27
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيهِما: الأعْلامُ المُعْتادَةُ لِلْإناثِ كَعائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَإنَّ تَسْمِيَةَ الإناثِ كَذَلِكَ تَكُونُ، فَإذا قالَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ وهي البِنْتُ والبَناتُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهم لَمّا قِيلَ لَهم إنَّ الصَّنَمَ جَمادٌ لا يَشْفَعُ وبَيَّنَ لَهم إنَّ أعْظَمَ أجْناسِ الخَلْقِ لا شَفاعَةَ لَهم إلّا بِالإذْنِ، قالُوا: نَحْنُ لا نَعْبُدُ الأصْنامَ لِأنَّها جَماداتٌ وإنَّما نَعْبُدُ المَلائِكَةَ بِعِبادَتِها فَإنَّها عَلى صُوَرِها ونَنْصِبُها بَيْنَ أيْدِينا لِيُذَكِّرَنا الشّاهِدُ الغائِبَ، فَنُعَظِّمُ المَلَكَ الَّذِي ثَبَتَ أنَّهُ مُقَرَّبٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ رَفِيعُ المَكانِ، فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ كَيْفَ تُعَظِّمُونَهم وأنْتُمْ تُسَمُّونَهم تَسْمِيَةَ الأُنْثى، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ مُسْتَنَدَهم في ذَلِكَ وهو لَفْظُ المَلائِكَةِ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لِيُسَمُّونِ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى، بَلْ قالَ: ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ فَإنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالتّاءِ واغْتِرارُهم باطِلٌ لِأنَّ التّاءَ تَجِيءُ لِمَعانٍ غَيْرِ التَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ، والبِنْتُ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى المُؤَنَّثِ الحَقِيقِيِّ بِالإطْلاقِ، والتّاءُ فِيها لِتَأْكِيدِ مَعْنى الجَمْعِ كَما في صَياقِلَةٍ وهي تُشْبِهُ تِلْكَ التّاءَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ في المَشْهُورِ جَمْعُ مَلَكٍ، والمَلَكُ اخْتِصارٌ مِنَ المَلاكِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، والمَلْأكُ قَلْبُ المَأْلَكِ مِنَ الألُوكَةِ وهي الرِّسالَةُ، فالمَلائِكَةُ عَلى هَذا القَوْلِ مَفاعِلَةٌ، والأصْلُ مَفاعِلُ ورُدَّ إلى مَلائِكَةٍ في الجَمْعِ فَهي تُشْبِهُ فَعائِلَ وفَعائِلَةَ، والظّاهِرُ أنَّ المَلائِكَةَ فَعائِلُ جَمْعُ مَلِيكِيٍّ مَنسُوبٌ إلى المَلِيكِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٥٥] في وعْدِ المُؤْمِنِ، وقالَ في وصْفِ المَلائِكَةِ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٣٨] وقالَ أيْضًا في الوَعْدِ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ [ ص: ٤٠] وقالَ في وصْفِ المَلائِكَةِ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [ النِّساءِ: ١٧٢] فَهم إذَنْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِمَزِيدِ قُرْبِهِ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [ التَّحْرِيمِ: ٦] كَأمْرِ المُلُوكِ والمُسْتَخْدَمِينَ عِنْدَ السَّلاطِينِ الواقِفِينَ بِأبْوابِهِمْ مُنْتَظِرِينَ لِوُرُودِ أمْرٍ عَلَيْهِمْ، فَهم مُنْتَسِبُونَ إلى المَلِيكِ المُقْتَدِرِ في الحالِ، فَهم مَلِيكِيُّونَ ومَلائِكَةٌ، فالتّاءُ لِلنِّسْبَةِ في الجَمْعِ كَما في الصَّيارِفَةِ والبَياطِرَةِ.