Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ في بَعْضِ الوُجُوهِ ﴿سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ هي الحَيْرَةُ القُصْوى، وقَوْلُهُ ﴿يَغْشى السِّدْرَةَ﴾ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ يُنادِي بِالبُطْلانِ، فَهَلْ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ ؟ نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِنَ الغَشَيانِ غَشَيانُ حالَةٍ عَلى حالَةٍ، أيْ ورَدَ عَلى حالَةِ الحَيْرَةِ حالَةُ الرُّؤْيَةِ واليَقِينِ، ورَأى مُحَمَّدٌ ﷺ عِنْدَما حارَ العَقْلُ ما رَآهُ وقْتَ ما طَرَأ عَلى تِلْكَ الحالَةِ ما طَرَأ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ النَّقْلَ الَّذِي ذَكَرْنا مِن أنَّ السِّدْرَةَ نَبْقُها كَقِلالِ هَجَرَ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الَّذِي غَشى السِّدْرَةَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: فَراشٌ أوْ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، فَإنْ صَحَّ فِيهِ خَبَرٌ فَلا يَبْعُدُ مِن جَوازِ التَّأْوِيلِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ فَلا وجْهَ لَهُ.
الثّانِي: الَّذِي يَغْشى السِّدْرَةَ مَلائِكَةٌ يَغْشُونَها كَأنَّهم طُيُورٌ، وهو قَرِيبٌ، لِأنَّ المَكانَ مَكانٌ لا يَتَعَدّاهُ المَلَكُ، فَهم يَرْتَقُونَ إلَيْهِ مُتَشَرِّفِينَ بِهِ مُتَبَرِّكِينَ زائِرِينَ، كَما يَزُورُ النّاسُ الكَعْبَةَ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْها.