Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:12-14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أيْ كَيْفَ تُجادِلُونَهُ وتُورِدُونَ شُكُوكَكم عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ رَأى ما رَأى عَيْنَ اليَقِينِ ؟ ولا شَكَّ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ فَهو جازِمٌ مُتَيَقِّنٌ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ أصابَهُ الجِنُّ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ هو مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن تَيَقَّنَ شَيْئًا قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لا يَزُولُ عَنْ نَفْسِهِ تَشْكِيكٌ.
وأكَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا رَآهُ وهو عَلى بَسِيطِ الأرْضِ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ أنَّهُ مِنَ الجِنِّ احْتِمالًا في غايَةِ البُعْدِ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ ﷺ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ مَلَكٌ مُرْسَلٌ، واحْتِمالُ البَعِيدِ لا يَقْدَحُ في الجَزْمِ واليَقِينِ، ألا تَرى أنّا إذا نِمْنا بِاللَّيْلِ وانْتَبَهْنا بِالنَّهارِ نُجْزِمُ
صفحة ٢٥١
بِأنَّ البِحارَ وقْتَ نَوْمِنا ما نَشِفَتْ ولا غارَتْ، والجِبالَ ما عُدِمَتْ ولا سارَتْ، مَعَ احْتِمالِ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وقْتَ نَوْمِنا، ويُعِيدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ في يَوْمِنا، فَلَمّا رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى وهو فَوْقَ السَّماءِ السّادِسَةِ لَمْ يُحْتَمَلْ أنْ يَكُونَ هُناكَ جِنٌّ ولا إنْسٌ، فَنَفى ذَلِكَ الِاحْتِمالَ أيْضًا فَقالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ رَأْيَ العَيْنِ، وكَيْفَ وهو قَدْ رَآهُ في السَّماءِ فَماذا تُقَدِّرُونَ فِيهِ وفِيهِ مَسائِلُ: