Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:8-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثانِيهِما: فاعِلُ أوْحى ثانِيًا جِبْرِيلُ، والمَعْنى أوْحى اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ ما أوْحى جِبْرِيلُ إلى كُلِّ رَسُولٍ، وفِيهِ بَيانُ أنَّ جِبْرِيلَ أمِينٌ لَمْ يَخُنْ في شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٩٣] وقَوْلِهِ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [ التَّكْوِيرِ: ٢١] . الوَجْهُ الثّانِي: في عَبْدِهِ عَلى قَوْلِنا المُوحِي هو اللَّهُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَعْناهُ أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ما أوْحى إلَيْهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ التَّفْسِيرِ ورَدَ عَلى تَرْتِيبٍ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ في الأوَّلِ حَصَّلَ في الأُفُقِ الأعْلى مِن مَراتِبِ الإنْسانِ وهو النُّبُوَّةُ ثُمَّ دَنا مِن جِبْرِيلَ وهو في مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ فَصارَ رَسُولًا فاسْتَوى وتَكامَلَ ودَنا مِنَ الأُمَّةِ بِاللُّطْفِ وتَدَلّى إلَيْهِمْ بِالقَوْلِ الرَّفِيقِ وجَعَلَ يَتَرَدَّدُ مِرارًا بَيْنَ أُمَّتِهِ ورَبِّهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ ما أوْحى. والوَجْهُ الثّانِي: في فاعِلِ أوْحى أوَّلًا هو أنَّهُ جِبْرِيلُ أوْحى أيْ عَبْدُهُ إلى عَبْدِ اللَّهِ واللَّهُ مَعْلُومٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [ سَبَأٍ: ٤٠، ٤١] ما يُوجِبُ القَطْعَ بِعَدَمِ جَوازِ إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلى هَذا فَفاعِلُ أوْحى ثانِيًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: