Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:8-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ أيْ بَيْنَ جِبْرائِيلَ ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مِقْدارُ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، ورُدَّ هَذا عَلى اسْتِعْمالِ العَرَبِ وعادَتِهِمْ، فَإنَّ الأمِيرَيْنِ مِنهم أوِ الكَبِيرَيْنِ إذا اصْطَلَحا وتَعاهَدا خَرَجا بِقَوْسَيْهِما ووَتَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما طَرَفَ قَوْسِهِ بِطَرَفِ قَوْسِ صاحِبِهِ ومَن دُونَهُما مِنَ الرَّعِيَّةِ يَكُونُ كَفُّهُ بِكَفِّهِ فَيُنْهِيانِ باعَيْهِما، ولِذَلِكَ تُسَمّى مُسايَعَةً، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ قَوْلَهُ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ عَلى جَعْلِ كَوْنِهِما كَبِيرَيْنِ، وقَوْلَهُ ﴿أوْ أدْنى﴾ لِفَضْلِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَإنَّ الأمِيرَ إذا بايَعَهُ الرَّعِيَّةُ لا يَكُونُ مَعَ المُبايِعِ قَوْسٌ فَيُصافِحُهُ الأمِيرُ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُما كَأمِيرَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَكانَ بَيْنَهُما مِقْدارُ قَوْسَيْنِ أوْ كانَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَفِيرًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ومُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ كالتَّبَعِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَصارَ كالمُبايِعِ الَّذِي يَمُدُّ الباعَ لا القَوْسَ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن يُفَضِّلُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ إلّا قَلِيلًا مِنهم إذْ كانَ جِبْرِيلُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ واجِبَ التَّعْظِيمِ والِاتِّباعِ فَصارَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهُ كالتَّبَعِ لَهُ عَلى قَوْلِ مَن يُفَضِّلُ جِبْرِيلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ عَلى ما ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ القَوْسُ عِبارَةً عَنْ بُعْدٍ مِن قاسَ بِقَوْسٍ، وعَلى هَذا فَنَقُولُ: ذَلِكَ البُعْدُ هو البُعْدُ النَّوْعِيُّ الَّذِي كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ عَلى كُلِّ حالٍ كانَ بَشَرًا، وجِبْرِيلُ عَلى كُلِّ حالٍ كانَ مَلَكًا، فالنَّبِيُّ ﷺ وإنْ زالَ عَنِ الصِّفاتِ الَّتِي تُخالِفُ صِفاتِ المَلَكِ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والجَهْلِ والهَوى