Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 53:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وُضِعَتْ لِأُمُورٍ تَتَحَقَّقُ فِيها فَيُعَبَّرُ بِها عَنْها، والأُمُورُ المُشْتَرَكَةُ لا تَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ أشْياءَ أُخَرَ، فالوَضْعُ أوَّلًا لِما يُوجَدُ مِنهُ لا يُدْرَكُ مِنهُ قَبْلَ الضَّرْبِ، وهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لِمَن يَقُولُ الماضِي أصْلٌ والمَصْدَرُ مَأْخُوذٌ مِنهُ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ المَصْدَرُ أصْلٌ والماضِي مَأْخُوذٌ مِنهُ فَلَهُ دَلائِلُ مِنها أنَّ الِاسْمَ أصْلٌ، والفِعْلَ مُتَفَرِّعٌ، والمَصْدَرُ اسْمٌ، ولِأنَّ المَصْدَرَ مُعْرَبٌ والماضِي مَبْنِيٌّ، والإعْرابُ قَبْلَ البِناءِ ولِأنَّ قالَ وقالَ، وراعَ وراعَ، إذا أرَدْنا الفَرْقَ بَيْنَهُما نَرُدُّ أبْنِيَتَهُما إلى المَصْدَرِ فَنَقُولُ: قالَ: الألِفُ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ بِدَلِيلِ القَوْلِ، وقالَ: ألِفٌ مُنْقَلِبَةٌ مِن ياءٍ بِدَلِيلِ القِيلِ، وكَذَلِكَ الرَّوْعُ والرَّيْعُ. وأمّا المَعْقُولُ فَلِأنَّ الألْفاظَ وُضِعَتْ لِلْأُمُورِ الَّتِي في الأذْهانِ، والعامُّ قَبْلَ الخاصِّ في الذِّهْنِ، فَإنَّ المَوْجُودَ إذا أُدْرِكَ يَقُولُ المُدْرِكُ هَذا المَوْجُودُ جَوْهَرٌ أوْ عَرَضٌ فَإذا أدْرَكَ أنَّهُ جَوْهَرٌ يَقُولُ إنَّهُ جِسْمٌ أوْ غَيْرُ جِسْمٍ عِنْدَ مَن يَجْعَلُ الجِسْمَ جَوْهَرًا وهو الأصَحُّ الأظْهَرُ، ثُمَّ إذا أدْرَكَ كَوْنَهُ جِسْمًا يَقُولُ هو تامٌّ، وكَذَلِكَ الأمْرُ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى أخَصِّ الأشْياءِ إنْ أمْكَنَ الِانْتِهاءُ إلَيْهِ بِالتَّقْسِيمِ، فالوَضْعُ الأوَّلُ الفِعْلُ وهو المَصْدَرُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ زَمانٌ تَقُولُ: ضَرَبَ أوْ سَيَضْرِبُ فالمَصْدَرُ قَبْلَ الماضِي، وهَذا هو الأصَحُّ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ المَصْدَرُ في الثُّلاثِيِّ مِنَ الماضِي فالحُبُّ وأحَبَّ كِلاهُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ كِلَيْهِما مِن حَبَّ يُحِبُّ، والمَصْدَرُ مِنَ الثُّلاثِيِّ قَبْلَ مَصْدَرِ المُنْشَعِبَةِ بِمَرْتَبَةٍ، وعَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ الماضِي في الثُّلاثِيِّ مَأْخُوذٌ مِنَ المَصْدَرِ فالمَصْدَرُ الثُّلاثِيُّ قَبْلَ المَصْدَرِ في المُنْشَعِبَةِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، فاسْتُعْمِلَ مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ لِأنَّهُ قَبْلَ مَصْدَرِ المُنْشَعِبَةِ، وأمّا الفِعْلُ في أحَبَّ وأوْحى فَلِأنَّ الألِفَ فِيهِما تُفِيدُ فائِدَةً لا يُفِيدُها الثُّلاثِيُّ المُجَرَّدُ لِأنَّ أحَبَّ أدْخَلُ في التَّعْدِيَةِ وأبْعَدُ عَنْ تَوَهُّمِ اللُّزُومِ فاسْتَعْمَلَهُ.