Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 52:18-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ وفِيهِ بَيانُ أسْبابِ التَّنْعِيمِ عَلى التَّرْتِيبِ، فَأوَّلُ ما يَكُونُ المَسْكَنُ وهو الجَنّاتُ ثُمَّ الأكْلُ والشُّرْبُ، ثُمَّ الفُرُشُ والبُسُطُ ثُمَّ الأزْواجُ، فَهَذِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ ذَكَرَها اللَّهُ عَلى التَّرْتِيبِ، وذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَدُلُّ عَلى كَمالِهِ، قَوْلُهُ (جَنّاتٍ) إشارَةٌ إلى المَسْكَنِ، والمَسْكَنُ لِلْجِسْمِ ضَرُورِيٌّ وهو المَكانُ، فَقالَ: ﴿فاكِهِينَ﴾ لِأنَّ مَكانَ التَّنْعِيمِ قَدْ يَتَنَغَّصُ بِأُمُورٍ وبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الفَكاهَةِ وعُلُوَّ المَرْتَبَةِ يَكُونُ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا، وأمّا في الأكْلِ والشُّرْبِ والإذْنِ المُطْلَقِ فَتَرَكَ ذِكْرَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ لِتَنَوُّعِهِما وكَثْرَتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَنِيئًا﴾ إشارَةٌ إلى خُلُوِّهِما عَمّا يَكُونُ فِيها مِنَ المَفاسِدِ في الدُّنْيا، مِنها أنَّ الآكِلَ يَخافُ مِنَ المَرَضِ فَلا يَهْنَأُ لَهُ الطَّعامُ، ومِنها أنَّهُ يَخافُ النَّفادَ فَلا يَسْخُو بِالأكْلِ والكُلُّ مُنْتَفٍ في الجَنَّةِ فَلا مَرَضَ ولا انْقِطاعَ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ عِنْدَهُ ما يَفْضُلُ عَنْهُ، ولا إثْمَ ولا تَعَبَ في تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا رُبَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ الأكْلِ لِما فِيهِ مِن تَهْيِئَةِ المَأْكُولِ بِالطَّبْخِ والتَّحْصِيلِ مِنَ التَّعَبِ أوِ المِنَّةِ أوْ ما فِيهِ مِن قَضاءِ الحاجَةِ واسْتِقْذارِ ما فِيهِ، فَلا يَتَهَنَّأُ، وكُلُّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ مُنْتَفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى يَقُولُ، أيْ مَعَ أنِّي رَبُّكم وخالِقُكم وأدْخَلْتُكم بِفَضْلِي الجَنَّةَ، وإنَّما مِنَّتِي عَلَيْكم في الدُّنْيا إذْ هَدَيْتُكم ووَفَّقْتُكم لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [ الحُجُراتِ: ١٧] . وأمّا اليَوْمَ فَلا مَنَّ عَلَيْكم لِأنَّ هَذا إنْجازُ الوَعْدِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ التَّحْرِيمِ: ٧] وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ بَيْنَهُما بَوْنٌ عَظِيمٌ مِن وُجُوهٍ: