Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 51:58
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ”قُلْ“ مُضْمَرًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ فَيَكُونُ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] ويَكُونُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَقُلْ، بَلْ قالَ: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ إرادَةِ الرِّزْقِ وعَدَمِ الِاسْتِعانَةِ بِالغَيْرِ، ولَكِنْ في عَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ لا يَكْفِي كَوْنُ المُسْتَغْنِي بِحَيْثُ يَرْزُقُ واحِدًا فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَرْزُقُ ولَدَهُ وغَيْرَهُ ويَسْتَرْزِقُ والمَلِكُ يَرْزُقُ الجُنْدَ ويَسْتَرْزِقُ، فَإذا كَثُرَ مِنهُ الرِّزْقُ قَلَّ مِنهُ الطَّلَبُ؛ لِأنَّ المُسْتَرْزِقَ مِمَّنْ يُكْثِرُ الرِّزْقَ لا يُسْتَرْزَقُ مِن رِزْقِهِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ المَقْصُودُ يَحْصُلُ لَهُ إلّا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِ الرِّزْقِ، فَقالَ: ﴿الرَّزّاقُ﴾ وأمّا ما يُغْنِي عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالغَيْرِ فَدُونَ ذَلِكَ: وذَلِكَ لِأنَّ القَوِيَّ إذا كانَ في غايَةِ القُوَّةِ يُعِينُ الغَيْرَ فَإذا كانَ دُونَ ذَلِكَ لا يُعِينَ غَيْرَهُ ولا يَسْتَعِينُ بِهِ، وإذا كانَ دُونَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ اسْتِعانَةً ما وتَتَفاوَتُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمّا قالَ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ كَفاهُ بَيانُ نَفْسِ القُوَّةِ فَقالَ: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ إفادَةُ مَعْنى القُوَّةِ دُونَ القُوى لِأنَّ ذا لا يُقالُ في الوَصْفِ اللّازِمِ البَيِّنِ فَيُقالُ في الآدَمِيِّ ذُو مالٍ ومُتَمَوِّلٌ وذُو جَمالٍ وجَمِيلٌ وذُو خُلُقٍ حَسَنٌ وخَلِيقٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلْزَمُهُ