Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 51:42-43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّالِثُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ﴾ مُبالَغَةٌ ودُخُولُ تَخْصِيصٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؟ نَقُولُ هو كَما وقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَتْ عَلَيْهِ﴾ وصْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿شَيْءٍ﴾ كَأنَّهُ قالَ كُلُّ شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ أوْ كُلُّ شَيْءٍ تَأْتِي عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ولا يَدْخُلُ فِيهِ السَّماواتُ لِأنَّها ما أتَتْ عَلَيْها وإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ الأجْسامُ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْها الرِّياحُ، فَإنْ قِيلَ فالجِبالُ والصُّخُورُ أتَتْ عَلَيْها وما جَعَلَتْها كالرَّمِيمِ ؟ نَقُولُ المُرادُ أتَتْ عَلَيْهِ قَصْدًا وهو عادٌ وأبْنِيَتُهم وعُرُوشُهم وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ مَأْمُورَةً بِأمْرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَأنَّها كانَتْ قاصِدَةً إيّاهم فَما تَرَكَتْ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ إلّا جَعَلْتَهُ كالرَّمِيمِ مَعَ أنَّ الصِّرَّ الرِّيحُ البارِدَةُ والمُكَرَّرُ لا يَنْفَكُّ عَنِ المَعْنى الَّذِي في اللَّفْظِ مِن غَيْرِ تَكْرِيرٍ، تَقُولُ حَثَّ وحَثْحَثَ وفِيهِ ما في حَثَّ نَقُولُ
صفحة ١٩٢
فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ بارِدَةً فَكانَتْ في أيّامِ العَجُوزُ وهي ثَمانِيَةُ أيّامٍ مِن آخَرِ شُباطَ وأوَّلِ أذارَ، والرِّيحُ البارِدَةُ مِن شِدَّةِ بَرْدِها تُحْرِقُ الأشْجارَ والثِّمارَ وغَيْرَهُما وتُسَوِّدُهُما.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ حارَةٌ والصِّرُّ هو الشَّدِيدُ لا البارِدُ وبِالشِّدَّةِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أيْ في شِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ.