Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 51:33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الحِكايَةُ بِعَيْنِها هي المَحْكِيَّةُ في هُودٍ، وهُناكَ قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ بَعْدَما زالَ عَنْهُ الرَّوْعُ وبَشَّرُوهُ، وهُنا قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ بَعْدَما سَألَهم عَنِ الخَطْبِ، وأيْضًا قالُوا هُناكَ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] وقالُوا هَهُنا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ والحِكايَةُ مِن قَوْلِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ورَدَ السُّؤالُ أيْضًا، فَنَقُولُ إذًا قالَ قائِلٌ حاكِيًا عَنْ زَيْدٍ: قالَ زَيْدٌ عَمْرٌو خَرَجَ، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: قالَ زَيْدٌ إنْ بَكْرًا خَرَجَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِن زَيْدٍ قَوْلانِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ حاكِيًا ما قالَهُ زَيْدٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: هو أنَّهُ لَمّا خافَ جازَ أنَّهم ما قالُوا لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠] فَلَمّا قالَ لَهم ماذا تَفْعَلُونَ بِهِمْ، كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ لِنُهْلِكَهم، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَيُقالُ: لِماذا خَرَجْتَ ؟ فَيَقُولُ: خَرَجْتُ لِأتَّجِرَ، لَكِنَّ هَهُنا فائِدَةً مَعْنَوِيَّةً، وهي أنَّهم إنَّما قالُوا في جَوابِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ نُهْلِكُهم بِأمْرِ اللَّهِ، لِتُعْلَمَ بَراءَتُهم عَنْ إيلامِ البَرِيءِ، وإهْمالِ الرَّدِيءِ فَأعادُوا لَفْظَ الإرْسالِ، وأمّا عَنِ الثّانِي: نَقُولُ الحِكايَةُ قَدْ تَكُونُ حِكايَةَ اللَّفْظِ، كَما تَقُولُ: قالَ زَيْدٌ بِعَمْرٍو مَرَرْتُ، فَيَحْكِي لَفْظَهُ المَحْكِيَّ، وقَدْ يَكُونُ حِكايَةً لِكَلامِهِ بِمَعْناهُ تَقُولُ: زَيْدٌ قالَ عَمْرٌو خَرَجَ، ولَكَ أنَّ تُبَدِّلَ مَرَّةً أُخْرى في غَيْرِ تِلْكَ الحِكايَةِ بِلَفْظَةٍ أُخْرى، فَتَقُولُ لَمّا قالَ زَيْدٌ بَكْرٌ خَرَجَ، قُلْتُ كَيْتَ وكَيْتَ، كَذَلِكَ هَهُنا القُرْآنُ لَفْظٌ مُعْجِزٌ، وما صَدَرَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ نَبِيَّنا عَلَيْهِ السَّلامُ سَواءً كانَ مِنهم، وسَواءً كانَ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مُعْجِزًا، فَيَلْزَمُ أنْ لا تَكُونَ هَذِهِ الحِكاياتُ بِتِلْكَ الألْفاظِ، فَكَأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وقالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠] ولَهُ أنْ يَقُولَ، إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ مَن آمَنَ بِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَحْكِي لَفْظَهم حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ واحِدًا، بَلْ يَحْكِي كَلامَهم بِمَعْناهُ ولَهُ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى لَفْظَهم في السَّلامِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في التَّفْسِيرِ، قالَ في المَوْضِعَيْنِ: سَلامًا وسَلامٌ ثُمَّ بَيَّنَ ما لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في العَنْكَبُوتِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرَّمْيِ بِالحِجارَةِ عَلى اللّائِطِ وفِيهِ مَسائِلُ: