Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 51:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
سَعْدٍ، وخَرَجَ هو بِيَوْمِ نَحْسٍ حَسُنَ، فالنَّهارُ واللَّيْلُ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِما خُصُوصٌ وتَقْيِيدٌ جازَ اسْتِعْمالُ الباءِ فِيهِما، فَإذا قَيَّدْتَهُما وخَصَّصْتَهُما زالَ ذَلِكَ الجَوازُ، ويَوْمُ الجُمُعَةَ لَمّا كانَ فِيهِ خُصُوصٌ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُ الباءِ، وحَيْثُ زالَ الخُصُوصُ بِالتَّنْكِيرِ، وقُلْتَ خَرَجْتُ بِيَوْمِ كَذا عادَ الجَوازُ، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مِثْلَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وهَذِهِ السّاعَةِ، وتِلْكَ اللَّيْلَةِ وُجِدَ فِيها أمْرٌ غَيْرُ الزَّمانِ وهو خُصُوصِيّاتٌ، وخُصُوصِيَّةُ الشَّيْءِ في الحَقِيقَةِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ عِنْدَ العاقِلِ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ لَكِنَّها مَحْصُورَةٌ عَلى الإجْمالِ، مِثالُهُ إذا قُلْتَ هَذا الرَّجُلَ فالعامُّ فِيهِ هو الرَّجُلُ، ثُمَّ إنَّكَ لَوْ قُلْتَ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ، ما كانَ يَصِيرُ مُخَصَّصًا، لَكِنَّهُ يَقْرُبُ مِنَ الخُصُوصِ، ويَخْرُجُ مِنَ القِصارِ، فَإنْ قُلْتَ: العالِمُ لَمْ يَصِرْ مُخَصَّصًا لَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الجُهّالِ، فَإذا قُلْتَ: الزّاهِدُ فَكَذَلِكَ، فَإذا قُلْتَ: ابْنُ عَمْرٍو خَرَجَ عَنْ أبْناءِ زَيْدٍ وبَكْرٍ وخالِدٍ وغَيْرِهِمْ، فَإذا قُلْتَ هَذا يَتَناوَلُ تِلْكَ المُخَصَّصاتِ الَّتِي بِأجْمَعِها لا تَجْتَمِعُ إلّا في ذَلِكَ، فَإذَنِ الزَّمانُ المُتَعَيِّنُ فِيهِ أُمُورٌ غَيْرُ الزَّمانِ، والفِعْلُ حَدَثٌ مُقْتَرِنٌ بِزَمانٍ لا ناشِئٌ عَنِ الزَّمانِ، وأمّا ”في“ فَصَحِيحٌ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ في العامِّ فَهو في الخاصِّ؛ لِأنَّ العامَّ أمْرٌ داخِلٌ في الخاصِّ، وأمّا ”في“ فَيَدْخُلُ في الَّذِي فِيهِ الشَّيْءُ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وفي هَذِهِ السّاعَةِ، وأمّا بَحْثُ اللّامِ فَنُؤَخِّرُهُ إلى مَوْضِعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] وقَوْلُهُ: (هم) غَيْرُ خالٍ عَنْ فائِدَةٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فائِدَتُهُ انْحِصارُ المُسْتَغْفِرِينَ، أيْ: لِكَمالِهِمْ في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّ غَيْرَهم لَيْسَ بِمُسْتَغْفِرٍ، فَهُمُ المُسْتَغْفِرُونَ لا غَيْرُ، يُقالُ فُلانٌ هو العالِمُ لِكَمالِهِ كَأنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ وهو جَيِّدٌ، ولَكِنَّ فِيهِ فائِدَةً أُخْرى، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَطَفَ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يُؤَكِّدْ مَعْنى الإثْباتِ بِكَلِمَةِ (هم) لَصَلَحَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وبِالأسْحارِ قَلِيلًا ما يَسْتَغْفِرُونَ، تَقُولُ فُلانٌ قَلِيلًا ما يُؤْذِي وإلى النّاسِ يُحْسِنُ، قَدْ يُفْهَمُ أنَّهُ قَلِيلُ الإيذاءِ قَلِيلُ الإحْسانِ، فَإذا قُلْتَ قَلِيلًا ما يُؤْذِي وهو يُحْسِنُ زالَ ذَلِكَ الفَهْمُ وظَهَرَ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ: قَلِيلُ الإيذاءِ كَثِيرُ الإحْسانِ، والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.