Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 51:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ ويَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى تَنْبِيهًا في جَوابِ سُؤالٍ، وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ، ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ، مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ لا الهُجُوعُ ؟ نَقُولُ: إشارَةٌ إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهَمُ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ. وفِيهِ مَباحِثُ: