Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 51:1-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في جَمِيعِ السُّوَرِ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ في ابْتِدائِها بِغَيْرِ الحُرُوفِ كانَ القَسَمُ لِإثْباتِ أحَدِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ والرِّسالَةُ والحَشْرُ، وهي الَّتِي يَتِمُّ بِها الإيمانُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُقْسِمْ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا في سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ السُّوَرِ وهي ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصّافّاتِ:١] حَيْثُ قالَ فِيها: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] وذَلِكَ لِأنَّهم وإنْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وكانُوا يُبالِغُونَ في الشِّرْكِ، لَكِنَّهم في تَضاعِيفَ أقْوالِهِمْ، وتَصارِيفِ أحْوالِهِمْ كانُوا يُصَرِّحُونَ بِالتَّوْحِيدِ، وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَلَمْ يُبالِغُوا في الحَقِيقَةِ في إنْكارِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فاكْتَفى بِالبُرْهانِ، ولَمْ يُكْثِرْ مِنَ الأيْمانِ، وفي سُورَتَيْنِ مِنها أقْسَمَ لِإثْباتِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَوْنِهِ رَسُولًا في إحْداهُما بِأمْرٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ١ -٢] وفي الثّانِيَةِ بِأمْرَيْنِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ١- ٣] وذَلِكَ لِأنَّ القَسَمَ عَلى إثْباتِ رِسالَتِهِ قَدْ كَثُرَ بِالحُرُوفِ والقُرْآنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣] وقَدْ ذَكَرْنا الحُكْمَ فِيهِ أنَّ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنُ، فَأقْسَمَ بِهِ لِيَكُونَ في القَسَمِ الإشارَةُ واقِعَةً إلى البُرْهانِ، وفي باقِي السُّورِ كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ الحَشْرَ والجَزاءَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ لِكَوْنِ إنْكارِهِمْ في ذَلِكَ خارِجًا عَنِ الحَدِّ، وعَدَمِ اسْتِيفاءِ ذَلِكَ في صُورَةِ القَسَمِ بِالحُرُوفِ