Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 50:9-11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ أيْ كالإحْياءِ (الخُرُوجُ) فَإنْ قِيلَ: الإحْياءُ يُشَبَّهُ بِهِ الإخْراجُ لا الخُرُوجُ، فَنَقُولُ: تَقْدِيرُهُ: أحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا فَتَشَقَّقَتْ وخَرَجَ مِنها النَّباتُ كَذَلِكَ تَشَقَّقُ ويَخْرُجُ مِنها الأمْواتُ، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: الرَّجْعُ بِمَعْنى الرُّجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم ما اسْتَبْعَدُوهُ فَلَوِ اسْتَبْعَدُوا الرَّجْعَ الَّذِي هو مِنَ المُتَعَدِّي لَناسَبَ أنْ يَقُولَ: كَذَلِكَ الإخْراجُ، ولَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ فُهِمَ أنَّهم أنْكَرُوا الرُّجُوعَ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ نَقُولُ: فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الرَّجْعَ الَّذِي هو مِنَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى الإخْراجِ، واللَّهُ تَعالى أثْبَتَ الخُرُوجَ، وفِيهِما مُبالِغَةٌ تَنْبِيهًا عَلى بَلاغَةِ القُرْآنِ مَعَ أنَّها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ البَيانِ، ووَجْهُها هو أنَّ الرَّجْعَ والإخْراجَ كالسَّبَبِ لِلرُّجُوعِ والخُرُوجِ، والسَّبَبُ إذا انْتَفى يَنْتَفِي المُسَبَّبُ جَزْمًا، وإذا وُجِدَ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ المُسَبَّبُ لِمانِعٍ، تَقُولُ: كَسَرْتُهُ فَلَمْ يَنْكَسِرْ، وإنْ كانَ مَجازًا والمُسَبَّبُ إذا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ، وإذا انْتَفى لا يَنْتَفِي السَّبَبُ؛ لِما تَقَدَّمَ، إذا عُلِمَ هَذا فَهم أنْكَرُوا وُجُودَ السَّبَبِ ونَفَوْهُ، ويَنْتَفِي المُسَبَّبُ عِنْدَ انْتِفائِهِ جَزْمًا فَبالَغُوا وأنْكَرُوا الأمْرَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ نَفْيَ السَّبَبِ نَفْيُ المُسَبَّبِ، فَأثْبَتَ اللَّهُ الأمْرَيْنِ بِالخُرُوجِ كَما نَفُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا بِنَفْيِ الإخْراجِ.