cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 50:5-8

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

وقَوْلُهُ: ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ مُخْتَلِفٍ مُخْتَلِطٍ، قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: لِأنَّهم تارَةً يَقُولُونَ: ساحِرٌ، وأُخْرى شاعِرٌ، وطَوْرًا يَنْسِبُونَهُ إلى الكِهانَةِ، وأُخْرى إلى الجُنُونِ، والأصَحُّ أنْ يُقالَ: هَذا بَيانُ الِاخْتِلافِ المَذْكُورِ في الآياتِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أمْرٍ سابِقٍ أُضْرِبَ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ الشَّكُّ وتَقْدِيرُهُ: والقُرْآنِ المَجِيدِ إنَّكَ لَمُنْذِرٌ، وإنَّهم شَكُّوا فِيكَ، بَلْ عَجِبُوا، بَلْ كَذَّبُوا. وهَذِهِ مَراتِبُ ثَلاثٌ، الأُولى: الشَّكُّ، وفَوْقَها التَّعَجُّبُ؛ لِأنَّ الشّاكَّ يَكُونُ الأمْرانِ عِنْدَهُ سِيَّيْنِ، والمُتَعَجِّبَ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ اعْتِقادُ عَدَمِ وُقُوعِ العَجِيبِ، لَكِنَّهُ لا يَقْطَعُ بِهِ، والمُكَذِّبُ الَّذِي يَجْزِمُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ وصارُوا ظانِّينَ وصارُوا جازِمِينَ، فَقالَ: ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَهم) لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كَوْنُهم ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ، وفِيما ذَكَرُوهُ لا يَكُونُ مُرَتَّبًا. فَإنْ قِيلَ: المَرِيجُ، المُخْتَلِطُ، وهَذِهِ أُمُورٌ مُرَتَّبَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَلى مُقْتَضى العَقْلِ؛ لِأنَّ الشّاكَّ يَنْتَهِي إلى دَرَجَةِ الظَّنِّ، والظّانَّ يَنْتَهِي إلى دَرَجَةِ القَطْعِ، وعِنْدَ القَطْعِ لا يَبْقى الظَّنُّ، وعِنْدَ الظَّنِّ لا يَبْقى الشَّكُّ، وأمّا ما ذَكَرُوهُ فَفِيهِ يَحْصُلُ الِاخْتِلاطُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ تَرْتِيبٌ، بَلْ تارَةً كانُوا يَقُولُونَ: كاهِنٌ، وأُخْرى مَجْنُونٌ، ثُمَّ كانُوا يَعُودُونَ إلى نِسْبَتِهِ إلى الكِهانَةِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ، وكَذا إلى الشِّعْرِ بَعْدَ السِّحْرِ، وإلى السِّحْرِ بَعْدَ الشِّعْرِ، فَهَذا هو المَرِيجُ. نَقُولُ: كانَ الواجِبُ أنْ يَنْتَقِلُوا مِنَ الشَّكِّ إلى الظَّنِّ بِصِدْقِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأمانَتِهِ واجْتِنابِهِ الكَذِبَ طُولَ عُمُرِهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، ومِنَ الظَّنِّ إلى القَطْعِ بِصِدْقِهِ لِظُهُورِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ عَلى يَدَيْهِ ولِسانِهِ، فَلَمّا غَيَّرُوا التَّرْتِيبَ حَصَلَ عَلَيْهِ المَرَجُ ووَقَعَ الدَّرَكُ مَعَ المَرَجِ، وأمّا ما ذَكَرُوهُ فاللّائِقُ بِهِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] لِأنَّ ما كانَ يَصْدُرُ مِنهم في حَقِّهِ كانَ قَوْلًا مُخْتَلِفًا، وأمّا الشَّكُّ والظَّنُّ والجَزْمُ فَأُمُورٌ مُخْتَلِفَةٌ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَرِيجِ عَلى ظَنِّهِمْ وقَطْعِهِمْ يُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ كَوْنِ ذَلِكَ الجَزْمِ صَحِيحًا؛ لِأنَّ الجَزْمَ الصَّحِيحَ لا يَتَغَيَّرُ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم واجِبَ التَّغَيُّرِ، فَكانَ أمْرُهم مُضْطَرِبًا، بِخِلافِ المُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، فَإنَّهُ لا يَقَعُ في اعْتِقادِهِ تَرَدُّدٌ، ولا يُوجَدُ في مُعْتَقَدِهِ تَعَدُّدٌ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.