Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 50:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ تَعالى: (مِنهم) يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا كالمُقَرِّرِ لِتَعَجُّبِهِمْ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا لِإبْطالِ تَعَجُّبِهِمْ، أمّا التَّقْرِيرُ فَلِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] و﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] إشارَةً إلى أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ اخْتِصاصُكم بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ مَعَ اشْتِراكِنا في الحَقِيقَةِ واللَّوازِمِ، وأمّا الإبْطالُ فَلِأنَّهُ إذا كانَ واحِدًا مِنهم ويُرى بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وظَهَرَ عَلَيْهِ ما عَجَزَ عَنْهُ كُلُّهم ومَن بَعْدَهم كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا: هَذا لَيْسَ مِن عِنْدِهِ ولا مِن عِنْدِ أحَدٍ مِن جِنْسِنا، فَهو مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ ما لَوْ جاءَهم واحِدٌ مِن خِلافِ جِنْسِهِمْ وأتى بِما يَعْجَزُونَ عَنْهُ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ لا نَقْدِرُ لِأنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ خاصِّيَّةً، فَإنَّ خاصِّيَّةَ النَّعامَةِ بَلْعُ النّارِ، والطُّيُورِ الطَّيْرُ في الهَواءِ، وابْنُ آدَمَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: الإبْطالُ جائِزٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهم كانَ باطِلًا، ولَكِنَّ تَقْرِيرَ الباطِلِ كَيْفَ يَجُوزُ، نَقُولُ: المُبَيِّنُ لِبُطْلانِ الكَلامِ يَجِبُ أنْ يُورِدَهُ عَلى أبْلَغِ ما يُمْكِنُ ويَذْكُرَ فِيهِ كُلَّ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يُبْطِلُهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: عَجِبْتُمْ بِسَبَبِ أنَّهُ مِنكم، وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِهَذا التَّعَجُّبِ، فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ كانَ بَشِيرًا ونَذِيرًا، واللَّهُ تَعالى في جَمِيعِ المَواضِعِ قَدَّمَ كَوْنَهُ بَشِيرًا عَلى كَوْنِهِ نَذِيرًا، فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ: عَجِبُوا أنْ جاءَهم بَشِيرٌ مِنهم ؟ نَقُولُ: هو لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْبِشارَةِ مَوْضِعًا كانَ في حَقِّهِمْ مُنْذِرًا لا غَيْرُ.