Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 50:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولْنَعُدْ إلى التَّفْسِيرِ، فَنَقُولُ: الوَصْفُ قَدْ يَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ، وهو الأكْثَرُ، كَقَوْلِنا: ”الكَلامُ القَدِيمُ“؛ لِيَتَمَيَّزَ عَنِ الحادِثِ، و”الرَّجُلُ الكَرِيمُ“؛ لِيَمْتازَ عَنِ اللَّئِيمِ، وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ المَدْحِ، كَقَوْلِنا: اللَّهُ الكَرِيمُ، إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ إلَهٌ آخَرُ حَتّى نُمَيِّزَهُ عَنْهُ بِالكَرِيمِ، وفي هَذا المَوْضِعِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ المَدْحِ، وأمّا التَّمْيِيزُ فَبِأنْ نَجْعَلَ القُرْآنَ اسْمًا لِلْمَقْرُوءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] والمَجِيدُ العَظِيمُ، وقِيلَ: المَجِيدُ هو كَثِيرُ الكَرَمِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ القُرْآنُ مَجِيدٌ، أمّا عَلى قَوْلِنا: المَجِيدُ هو العَظِيمُ، فَلِأنَّ القُرْآنَ عَظِيمُ الفائِدَةِ، ولِأنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ العَظِيمِ، وذِكْرُ العَظِيمِ عَظِيمٌ، ولِأنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ، وهو آيَةُ العَظَمَةِ، يُقالُ: مَلِكٌ عَظِيمٌ، إذا لَمْ يَكُنْ يُغْلَبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى مَثَلِهِ أحَدٌ لِيُكُونَ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى نُبُوَّتِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] أيْ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِإطْلاعِهِ تَعالى، فَلا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ، و﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] فَهو غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَهو عَظِيمٌ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: المَجِيدُ هو كَثِيرُ الكَرَمِ، فالقُرْآنُ كَرِيمٌ، كُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ مَقْصُودَهُ وجَدَهُ، وإنَّهُ مُغْنٍ كُلَّ مَن لاذَ بِهِ، وإغْناءُ المُحْتاجِ غايَةُ الكَرَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المَجِيدَ مَقْرُونٌ بِالحَمِيدِ في قَوْلِنا: إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فالحَمِيدُ هو المَشْكُورُ، والشُّكْرُ عَلى الإنْعامِ والمُنْعِمُ كَرِيمٌ، فالمَجِيدُ هو الكَرِيمُ البالِغُ في الكَرَمِ، وفِيهِ مَباحِثُ: