Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 50:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الخامِسُ: القَسَمُ بِالحُرُوفِ وقَعَ في النِّصْفَيْنِ جَمِيعًا، بَلْ في كُلِّ سَبْعٍ، وبِالأشْياءِ المَعْدُودَةِ لَمْ يُوجَدْ إلّا في النِّصْفِ الأخِيرِ، بَلْ لَمْ يُوجَدْ إلّا في السَّبْعِ الأخِيرِ غَيْرَ والصّافّاتِ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ القَسَمَ بِالحُرُوفِ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ ذِكْرِ القُرْآنِ أوِ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ بَعْدَهُ إلّا نادِرًا، فَقالَ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [غافر: ١] ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] ولَمّا كانَ جَمِيعُ القُرْآنِ مُعْجِزَةً مُؤَدّاةً بِالحُرُوفِ وُجِدَ ذَلِكَ عامًّا في جَمِيعِ المَواضِعِ ولا كَذَلِكَ القَسَمُ بِالأشْياءِ المَعْدُودَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ. ولْنَذْكُرْ ما يَخْتَصُّ بِقافٍ، قِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جَبَلٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ عَلَيْهِ أطْرافُ السَّماءِ، وهو ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القِراءَةَ الكَثِيرَةَ الوَقْفُ، ولَوْ كانَ اسْمَ جَبَلٍ لَما جازَ الوَقْفُ في الإدْراجِ؛ لِأنَّ مَن قالَ ذَلِكَ قالَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَذُكِرَ بِحَرْفِ القَسَمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ القَسَمِ يُحْذَفُ حَيْثُ يَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُقْسَمَ بِهِ، كَقَوْلِنا: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا، واسْتِحْقاقُهُ لِهَذا غَنِيٌّ عَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: زَيْدٍ لَأفْعَلَنَّ.