Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 49:13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّالِثُ: إذا كانَ وُرُودُ الآيَةِ لِبَيانِ عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ بِغَيْرِ التَّقْوى فَهَلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ بِأمْرٍ فِيهِ يَلْحَقُهُ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِأمْرٍ هو قَبْلَهُ، والَّذِي بَعْدَهُ كالحُسْنِ والقُوَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ المَطْلُوبَةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، والَّذِي قَبْلَهُ فَإمّا راجِعٌ إلى الأصْلِ الَّذِي مِنهُ وُجِدَ، أوْ إلى الفاعِلِ الَّذِي هو لَهُ أوْجَدَ، كَما يُقالُ في إناءَيْنِ: هَذا مِنَ النُّحاسِ وهَذا مِنَ الفِضَّةِ، ويُقالُ: هَذا عَمَلُ فُلانٍ، وهَذا عَمَلُ فُلانٍ، فَقالَ تَعالى: لا تَرْجِيحَ فِيما خَلَقْتُمْ مِنهُ؛ لِأنَّكم كُلُّكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ولا بِالنَّظَرِ إلى جاعِلِينَ؛ لِأنَّكم كُلُّكم خَلَقَكُمُ اللَّهُ، فَإنْ كانَ بَيْنَكم تَفاوُتٌ يَكُونُ بِأُمُورٍ تَلْحَقُكم وتَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِكم، وأشْرَفُها التَّقْوى والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ مُتَفَرِّقَةً لا يُدْرى مَن يَجْمَعُكم كالعَجَمِ، وقَبائِلَ يَجْمَعُكم واحِدٌ مَعْلُومٌ كالعَرَبِ وبَنِي إسْرائِيلَ.