Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 49:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ إتْمامًا لِما سَبَقَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المُعْتَبَرَ اليَقِينُ فَيَقُولُ القائِلُ: أنا أكْشِفُ فُلانًا، يَعْنِي أعْلَمُهُ يَقِينًا، وأطَّلِعُ عَلى عَيْبِهِ مُشاهَدَةً فَأعِيبُ فَأكُونُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الظَّنَّ، فَقالَ تَعالى: ولا تَبْتَغُوا الظَّنَّ، ولا تَجْتَهِدُوا في طَلَبِ اليَقِينِ في مَعايِبِ النّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى وُجُوبِ حِفْظِ عِرْضِ المُؤْمِنِ في غَيْبَتِهِ وفِيهِ مَعانٍ:
أحَدُها: في قَوْلِهِ تَعالى: (بَعْضُكم بَعْضًا) فَإنَّهُ لِلْعُمُومِ في الحَقِيقَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وأمّا مَنِ اغْتابَ فالمُغْتابُ أوَّلًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَلا يُحْمَلُ فِعْلُهُ عَلى أنْ يَغْتابَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا تَغْتابُوا أنْفُسَكم؛ لِما أنَّ الغِيبَةَ لَيْسَتْ حامِلَةً لِلَعائِبَ عَلى عَيْبِهِ مَنِ اغْتابَهُ، والعَيْبُ حامِلٌ عَلى العَيْبِ.
ثانِيها: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: لا تَغْتابُوا مَعَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: لا، وذَلِكَ لِأنَّ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ فَقالَ: ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ وأمّا الكافِرُ فَيُعْلَنُ ويُذْكَرُ بِما فِيهِ، وكَيْفَ لا والفاسِقُ يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ بِما فِيهِ عِنْدَ الحاجَةِ.