Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 49:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إلى بَنِي المُصْطَلِقِ ولِيًّا ومُصَدِّقًا فالتَقَوْهُ، فَظَنَّهم مُقاتِلِينَ، فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: إنَّهُمُ امْتَنَعُوا ومَنَعُوا، فَهَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالإيقاعِ بِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، وهَذا جَيِّدٌ إنْ قالُوا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّها نَزَلَتْ لِذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ومُتَعَدِّيًا إلى غَيْرِهِ فَلا، بَلْ نَقُولُ: هو نَزَلَ عامًّا لِبَيانِ التَّثْبِيتِ، وتَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلى قَوْلِ الفاسِقِ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ لِكَذا، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنِّي أنْزَلْتُها لِكَذا، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الآيَةَ ورَدَتْ لِبَيانِ ذَلِكَ فَحَسْبُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو مِثْلُ التّارِيخِ لِنُزُولِ الآيَةِ، ونَحْنُ نُصَدِّقُ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفاسِقِ عَلى الوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ وظَنَّ فَأخْطَأ، والمُخْطِئُ لا يُسَمّى فاسِقًا، وكَيْفَ والفاسِقُ في أكْثَرِ المَواضِعِ المُرادُ بِهِ مَن خَرَجَ عَنْ رِبْقَةِ الإيمانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.