Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 49:3-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ .
وفِيهِ الحَثُّ عَلى ما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ وبَيانُهُ هو أنَّ مَن يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ يُرِيدُ إكْرامَ نَفْسِهِ واحْتِرامَ شَخْصِهِ، فَقالَ تَعالى تَرْكُ هَذا الِاحْتِرامِ يَحْصُلُ بِهِ حَقِيقَةُ الِاحْتِرامِ، وبِالإعْراضِ عَنْ هَذا الإكْرامِ يَكْمُلُ الإكْرامُ؛ لِأنَّ بِهِ تَتَبَيَّنُ تَقْواكم، و﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ومِنَ القَبِيحِ أنْ يَدْخُلَ الإنْسانُ حَمّامًا فَيَتَخَيَّرُ لِنَفْسِهِ فِيهِ مَنصِبًا ويُفَوِّتُ بِسَبَبِهِ مَنصِبَهُ عِنْدَ السُّلْطانِ، ويُعَظِّمُ نَفْسَهُ في الخَلاءِ والمُسْتَراحِ وبِسَبَبِهِ يَهُونُ في الجَمْعِ العَظِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: امْتَحَنَها لِيَعْلَمَ مِنها التَّقْوى، فَإنَّ مَن يُعَظِّمُ واحِدًا مِن أبْناءِ جِنْسِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولًا مُرْسَلًا يَكُونُ تَعْظِيمُهُ لِلْمُرْسِلِ أعْظَمَ وخَوْفُهُ مِنهُ أقْوى، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أيْ تَعْظِيمُ أوامِرِ اللَّهِ مِن تَقْوى اللَّهِ فَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ رَسُولِ اللَّهِ مِن تَقْواهُ.