Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 49:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الفِعْلَ أوِ الأمْرَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ يَعْنِي فِعْلًا ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أوْ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ بِمَعْنى لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا فَهو مَجازٌ لَيْسَ المُرادُ هو نَفْسُ التَّقْدِيمِ، بَلِ المُرادُ: لا تَجْعَلُوا لِأنْفُسِكم تَقَدُّمًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ: فُلانٌ تَقَدَّمَ مِن بَيْنِ النّاسِ إذا ارْتَفَعَ أمَرُهُ وعَلا شَأْنُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مَنِ ارْتَفَعَ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في الدُّخُولِ في الأُمُورِ العِظامِ، وفي الذِّكْرِ عِنْدَ ذِكْرِ الكِرامِ، وعَلى هَذا نَقُولُ: سَواءٌ جَعَلْناهُ مُتَعَدِّيًا أوْ لازِمًا لا يَتَعَدّى إلَيْهِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِنا: قَدَّمْتُ زَيْدًا، فَتَقْدِيرُهُ: لا تُقَدِّمُوا أنْفُسَكم في حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ لا تَجْعَلُوا لِأنْفُسِكم تَقَدُّمًا ورَأْيًا عِنْدَهُ، ولا نَقُولُ بِأنَّ المُرادَ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا وفِعْلًا، وحِينَئِذٍ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وهُما قِراءَةُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ بِحَضْرَتِهِما؛ لِأنَّ ما بِحَضْرَةِ الإنْسانِ فَهو بَيْنَ يَدَيْهِ وهو ناظِرٌ إلَيْهِ وهو نُصْبُ عَيْنَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ إشارَةٌ إلى كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما حاضِرًا عِنْدَ الآخَرِ مَعَ أنَّ لِأحَدِهِما عُلُوَّ الشَّأْنِ ولِلْآخَرِ دَرَجَةَ العَبِيدِ والغِلْمانِ؛ لِأنَّ مَن يَجْلِسُ بِجَنْبِ الإنْسانِ يُكَلِّفُهُ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ إلَيْهِ وتَحْرِيكَ الرَّأْسِ إلَيْهِ عِنْدَ الكَلامِ والأمْرِ، ومَن يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُكَلِّفُهُ ذَلِكَ؛ ولِأنَّ اليَدَيْنِ تُنْبِئُ عَنِ القُدْرَةِ، يَقُولُ القائِلُ: هو بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ، أيْ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ شاءَ في أشْغالِهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِما يَكُونُ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ وُجُوبَ الِاحْتِرازِ مِنَ التَّقَدُّمِ وتَقْدِيمِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ كَمَتاعٍ يُقَلِّبُهُ الإنْسانُ بِيَدَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ التَّقَدُّمُ.