Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 48:14-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أتُقاتِلُونَهم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدَهُما يَقَعُ، وقُرِئَ ”أوْ يُسْلِمُوا“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى مَعْنى ”تُقاتِلُونَهم“ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ ”أوْ“ لا تَجِيءُ إلّا بَيْنَ المُتَغايِرَيْنِ، وتُنْبِئُ عَنِ الحَصْرِ فَيُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ؛ ولِهَذا لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هو زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو؛ ولِهَذا يُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ خَمْسَةٌ أوْ غَيْرُهُما، إذا عُلِمَ هَذا فَقالَ القائِلُ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الزَّمانَ انْحَصَرَ في قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُلازَمَةُ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قَضاءُ الحَقُّ، فَلا يَكُونُ بَيْنَ المُلازَمَةِ وقَضاءِ الحَقِّ زَمانٌ لا يُوجَدُ فِيهِ المُلازَمَةُ ولا قَضاءُ الحَقِّ، فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي، كَما حَكى في قَوْلِ القائِلِ: لَألْزَمَنَّكَ إلى أنْ تَقْضِيَنِي؛ لِامْتِدادِ زَمانِ المُلازَمَةِ إلى القَضاءِ، وهَذا ما يُضْعِفُ قَوْلَ القائِلِ: الدّاعِي هو عُمَرُ، والقَوْمُ فارِسُ والرُّومُ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يُقِرّانِ بِالجِزْيَةِ، فالقِتالُ مَعَهم لا يَمْتَدُّ إلى الإسْلامِ لِجَوازِ أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إذا كانَ بِعُذْرٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] لا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي عَذابٌ ألِيمٌ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ تَوَلِّيكم بِناءً عَلى الظَّنِّ الفاسِدِ والِاعْتِقادِ الباطِلِ كَما كانَ حَيْثُ قُلْتُمْ بِألْسِنَتِكم لا بِقُلُوبِكم ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾ فاللَّهُ يُعَذِّبُكم عَذابًا ألِيمًا.