Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 47:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِعْلَ المُبْتَلِينَ أيْ كَما يَفْعَلُ المُبْتَلى المُخْتَبَرُ، ومِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْلُو لِيَظْهَرَ الأمْرُ لِغَيْرِهِ إمّا لِلْمَلائِكَةِ وإمّا لِلنّاسِ، والتَّحْقِيقُ هو أنَّ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ فِعْلٌ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَ العُقَلاءِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ قَصْدًا إلى ظُهُورِهِ، وقَوْلُنا فِعْلٌ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ ظاهِرُ الدُّخُولِ في مَفْهُومِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ ما لا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ أصْلًا لا يُسَمّى ابْتِلاءً، أمّا قَوْلُنا أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ عَلى القِثّاءِ والخِيارِ لا يُقالُ إنَّهُ يَمْتَحِنُ؛ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُ مُتَعَيِّنٌ وهو القَطْعُ والقَدُّ بِقِسْمَيْنِ، فَإذا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ سَبُعًا يُقالُ: يُمْتَحَنُ بِسَيْفِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وقَدْ يَقُدُّهُ وقَدْ لا يَقُدُّهُ، وأمّا قَوْلُنا: لِيَظْهَرَ مِنهُ ذَلِكَ، فَلِأنَّ مَن يَضْرِبُ سَبُعًا بِسَيْفِهِ لِيَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لا يُقالُ إنَّهُ مُمْتَحَنٌ لِأنَّ ضَرْبَهُ لَيْسَ لِظُهُورِ أمْرٍ مُتَعَيِّنٍ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى إذا أمَرَنا بِفِعْلٍ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ- وهو إمّا الطّاعَةُ أوِ المَعْصِيَةُ في العُقُولِ - لِيُظْهِرَ ذَلِكَ يَكُونُ مُمْتَحِنًا وإنْ كانَ عالِمًا بِهِ؛ لَكَوْنِ عَدَمِ العِلْمِ مُقارَنًا فِينا لِابْتِلائِنا فَإذا ابْتُلِينا وعَدَمُ العِلْمِ فِينا مُسْتَمِرٌّ أُمِرْنا ولَيْسَ مِن ضَرُوراتِ الِابْتِلاءِ، فَإنْ قِيلَ: الِابْتِلاءُ فائِدَتُهُ حُصُولُ العِلْمِ عِنْدَ المُبْتَلِي، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا فَأيَّةُ فائِدَةٍ