Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 47:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السَّيِّئَةِ كَما يُثِيبُ عَنِ الحَسَنَةِ، لَكانَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى السَّيِّئَةِ، نَقُولُ: ما قُلْنا إنَّهُ يُثِيبُ عَلى السَّيِّئَةِ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ يُثِيبُ بَعْدَ السَّيِّئَةِ بِما يُثِيبُ عَلى الحَسَنَةِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَأْتِي المُؤْمِنُ بِسَيِّئَةٍ، ثُمَّ يَتَنَبَّهُ ويَنْدَمُ ويَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ مُسْتَحْقِرًا لِنَفْسِهِ، فَيَصِيرُ أقْرَبَ إلى الرَّحْمَةِ مِنَ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، ودَخَلَ عَلى رَبِّهِ مُفْتَخِرًا في نَفْسِهِ، فَصارَ الذَّنْبُ شَرْطًا لِلنَّدَمِ، والثَّوابُ لَيْسَ عَلى السَّيِّئَةِ، وإنَّما هو عَلى النَّدَمِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: عَبْدِي أذْنَبَ ورَجَعَ إلَيَّ، فَفِعْلُهُ شَيْءٌ لَكِنَّ ظَنَّهُ بِي حَسَنٌ، حَيْثُ لَمْ يَجِدْ مَلْجَأً غَيْرِي فاتَّكَلَ عَلى فَضْلِي، والظَّنُّ عَمَلُ القَلْبِ، والفِعْلُ عَمَلُ البَدَنِ، واعْتِبارُ عَمَلِ القَلْبِ أوْلى، ألا تَرى أنَّ النّائِمَ والمُغْمى عَلَيْهِ لا يُلْتَفَتُ إلى عَمَلِ بَدَنِهِ، والمَفْلُوجُ الَّذِي لا حَرَكَةَ لَهُ يُعْتَبَرُ قَصْدُ قَلْبِهِ، ومِثالُ الرُّوحِ والبَدَنِ راكِبُ دابَّةٍ يَرْكُضُ فَرَسُهُ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكٍ يَدْفَعُ عَنْهُ العَدُوَّ بِسَيْفِهِ وسِنانِهِ، والفَرَسُ يُلَطِّخُ ثَوْبَ المَلِكِ بِرَكْضِهِ في اسْتِنانِهِ، فَهَلْ يُلْتَفَتُ إلى فِعْلِ الدّابَّةِ مَعَ فِعْلِ الفارِسِ، بَلْ لَوْ كانَ الرّاكِبُ فارِغًا، الفَرَسُ يُؤْذِي بِالتَّلْوِيثِ يُخاطِبُ الفارِسَ بِهِ، فَكَذَلِكَ الرُّوحُ راكِبٌ والبَدَنُ مَرْكُوبٌ، فَإنْ كانَتِ الرُّوحُ مَشْغُولَةً بِعِبادَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ، ويَصْدُرُ مِنَ البَدَنِ شَيْءٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، بَلْ يُسْتَحْسَنُ مِنهُ ذَلِكَ ويُزادُ في تَرْبِيَةِ الفَرَسِ الرّاكِضِ ويُهْجَرُ الفَرَسُ الواقِفُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مَشْغُولٍ فَهو مُؤاخَذٌ بِأفْعالِ البَدَنِ.