Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 46:21-26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ والمَعْنى أنّا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ النِّعَمِ وأعْطَيْناهم سَمْعًا فَما اسْتَعْمَلُوهُ في سَماعِ الدَّلائِلِ، وأعْطَيْناهم أبْصارًا فَما اسْتَعْمَلُوها في تَأمُّلِ العِبَرِ، وأعْطَيْناهم أفْئِدَةً فَما اسْتَعْمَلُوها في طَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ صَرَفُوا كُلَّ هَذِهِ القُوى إلى طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلا جَرَمَ ما أغْنى سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.
صفحة ٢٦
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لَمْ يُغْنِ عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ، ولَفْظُ ”إذْ“ قَدْ يُذْكَرُ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ، والمَعْنى ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ أساءَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّ قَوْمَ عادٍ لَمّا اغْتَرُّوا بِدُنْياهم وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ نَزَلَ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ، ولَمْ تُغْنِ عَنْهم قُوَّتُهم ولا كَثْرَتُهم، فَأهْلُ مَكَّةَ مَعَ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ أوْلى بِأنْ يَحْذَرُوا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ويَخافُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ العَذابِ وإنَّما كانُوا يَطْلُبُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.