Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 46:17-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ وقُرِئَ بِالنُّونِ وهَذا تَعْلِيلٌ مُعَلَّلُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم ولا يَظْلِمَهم حُقُوقَهم قَدَّرَ جَزاءَهم عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ، فَجَعَلَ الثَّوابَ دَرَجاتٍ والعِقابَ دَرَكاتٍ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُوَصِّلُ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ بَيَّنَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ قِيلَ: يَدْخُلُونَ النّارَ، وقِيلَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمُ النّارَ لِيَرَوْا أهْوالَها: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”آذَهَبْتُمْ“ اسْتِفْهامٌ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ، وابْنُ عامِرٍ اسْتِفْهامٌ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدَّةٍ والباقُونَ ”أذْهَبْتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما قُدِّرَ لَكم مِنَ الطَّيِّباتِ والرّاحاتِ فَقَدِ اسْتَوْفَيْتُمُوهُ في الدُّنْيا وأخَذْتُمُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدَ اسْتِيفاءِ حَظِّكم شَيْءٌ مِنها، وعَنْ عُمَرَ: ”لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أطْيَبُكم طَعامًا وأحْسَنُكم لِباسًا، ولَكِنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ وهم يُرَقِّعُونَ ثِيابَهم بِالأدَمِ ما يَجِدُونَ لَها رِقاعًا فَقالَ:“ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ أمْ يَوْمَ يَغْدُو أحَدُكم في حُلَّةٍ ويَرُوحُ في أُخْرى، ويُغْدى عَلَيْهِ بِجَفْنَةٍ ويُراحُ عَلَيْهِ بِأُخْرى ويُسْتَرُ بَيْتُهُ كَما تُسْتَرُ الكَعْبَةُ، قالُوا: نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ، قالَ: بَلْ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ ؟ ”»، رَواهُ صاحِبُ“الكَشّافِ”. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ الصّالِحِينَ يُؤْثِرُونَ التَّقَشُّفَ والزُّهْدَ في الدُّنْيا رَجاءَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم في الآخِرَةِ أكْمَلَ، إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ التَّنَعُّمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في حَقِّ الكافِرِ، وإنَّما وبَّخَ اللَّهُ الكافِرَ لِأنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِالدُّنْيا ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَ المُنْعِمِ بِطاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يُؤَدِّي بِإيمانِهِ شُكْرَ المُنْعِمِ فَلا يُوَبَّخُ بِتَمَتُّعِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعْرافِ: ٣٢] نَعَمْ لا يُنْكَرُ أنَّ الِاحْتِرازَ عَنِ التَّنَعُّمِ أوْلى؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا اعْتادَتِ التَّنَعُّمَ صَعُبَ عَلَيْها الِاحْتِرازُ والِانْقِباضُ، وحِينَئِذٍ فَرُبَّما حَمَلَهُ المَيْلُ إلى تِلْكَ الطَّيِّباتِ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مِمّا يَجُرُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ ويَقَعُ في البُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِ.