Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 46:13-14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: هو النُّقْصانُ الظّاهِرُ وهو سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ، فَهَذا ضَبْطٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ هَهُنا مُقَدِّمَةٌ أُخْرى وهي أنَّ دَوْرَ القَمَرِ إنَّما يَكْمُلُ في مُدَّةِ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا وشَيْءٍ، فَإذا قَسَّمْنا هَذِهِ المُدَّةَ بِأرْبَعَةِ أقْسامٍ كانَ كُلُّ قِسْمٍ مِنها سَبْعَةً فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّرُوا الشَّهْرَ بِالأسابِيعِ الأرْبَعَةِ، ولِهَذِهِ الأسابِيعِ تَأْثِيراتٌ عَظِيمَةٌ في اخْتِلافِ أحْوالِ هَذا العالَمِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِن أصْحابِ التَّجارِبِ قَسَّمُوا مُدَّةَ سِنِّ النَّماءِ والنُّشُوءِ إلى أرْبَعَةِ أسابِيعَ ويَحْصُلُ لِلْآدَمِيِّ بِحَسَبَ انْتِهاءِ كُلِّ سابُوعٍ مِن هَذِهِ السَّوابِيعِ الأرْبَعَةِ نَوْعٌ مِنَ التَّغَيُّرِ يُؤَدِّي إلى كَمالِهِ، أمّا عِنْدَ تَمامِ السّابُوعِ الأوَّلِ مِنَ العُمْرِ فَتَتَصَلَّبُ أعْضاؤُهُ بَعْضَ الصَّلابَةِ وتَقْوى أفْعالُهُ أيْضًا بَعْضَ القُوَّةِ، وتَتَبَدَّلُ أسْنانُهُ الضَّعِيفَةُ الواهِيَةُ بِأسْنانٍ قَوِيَّةٍ وتَكُونُ قُوَّةُ الشَّهْوَةِ في هَذا السّابُوعِ أقْوى في الهَضْمِ مِمّا كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وأمّا في نِهايَةٍ السّابُوعِ الثّانِي فَتَقْوى الحَرارَةُ وتَقِلُّ الرُّطُوباتِ وتَتَّسِعُ المَجارِي وتَقْوى قُوَّةُ الهَضْمِ وتَقْوى الأعْضاءُ وتَصْلُبُ قُوَّةً وصَلابَةً كافِيَةً ويَتَوَلَّدُ فِيهِ مادَّةُ الزَّرْعِ، وعِنْدَ هَذا يَحْكُمُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ بِالبُلُوغِ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ لِأنَّ هَذا الوَقْتَ لَمّا قَوِيَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ قَلَّتِ الرُّطُوباتُ واعْتَدَلَ الدِّماغُ فَتَكْمُلُ القُوى النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي هي الفِكْرُ والذِّكْرُ، فَلا جَرَمَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِكَمالِ العَقْلِ، فَلا جَرَمَ حَكَمَتِ الشَّرِيعَةُ بِالبُلُوغِ وتَوَجُّهِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ فَما أحْسَنَ قَوْلُ مَن ضَبَطَ البُلُوغَ الشَّرْعِيَّ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.