Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 46:9-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الَّذِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَرِحَ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ واليَهُودُ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ وبِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]، فَبَيَّنَ تَعالى ما يُفْعَلُ بِهِ وبِمَنِ اتَّبَعَهُ ونُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأرْغَمَ اللَّهُ أنْفَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا بُدَّ وأنْ يَعْلَمَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا، ومَتّى عَلِمَ كَوْنَهُ نَبِيًّا عَلِمَ أنَّهُ لا تَصْدُرُ عَنْهُ الكَبائِرُ، وأنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مَغْفُورٌ لَهُ أمْ لا ؟
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ الأنْبِياءَ أرْفَعُ حالًا مِنَ الأوْلِياءِ، فَلَمّا قالَ في هَذا: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَبْقى الرَّسُولُ الَّذِي هو رَئِيسُ الأتْقِياءِ وقُدْوَةُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مِنَ المَغْفُورِينَ أوْ مِنَ المُعَذَّبِينَ ؟