Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 46:1-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِأكْمَلِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن صَدَرَ عَنْهُ أكْمَلُ وُجُوهِ الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ الخالِقُ الحَقُّ والمُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ والعُبُودِيَّةِ إلّا لَهُ ولِأجْلِهِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنّا لا نَعْبُدُها لِأنَّها تَسْتَحِقُّ هَذِهِ العِبادَةَ، بَلْ إنَّما نَعْبُدُها لِأجْلِ أنَّ الإلَهَ الخالِقَ المُنْعِمَ أمَرَنا بِعِبادَتِها، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ وُرُودَ هَذا الأمْرِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، فَنَقُولُ: هَذا الوَحْيُ الدّالُّ عَلى الأمْرِ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى مُحَمَّدٍ أوْ في سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُنَزَّلَةِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَكِنَّهُ مِن تَقابُلِ العُلُومِ المَنقُولَةِ عَنْهم، والكُلُّ باطِلٌ، أمّا إثْباتُ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَهو مَعْلُومُ البُطْلانِ، وأمّا إثْباتُهُ بِسَبَبِ اشْتِمالِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ فَهو أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّهُ عُلِمَ بِالتَّواتُرِ الضَّرُورِيِّ إطْباقُ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى المَنعِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ .